
تقرير : منة خالد
تتجه أنظار مصر اليوم نحو مشروعات قومية كبرى تُعيد رسم ملامح المستقبل، وفي القلب منها قطاع النقل الذي يمس حياة كل مواطن. فثورة 30 يونيو لم تكن مجرد لحظة فارقة في تاريخ الوطن، بل كانت حجر الزاوية الذي شُيّد عليه حاضر مصر الطموح، والجسر الذي عبرت فوقه أحلام شعبها نحو غدٍ يليق بها. وكيف لا؟ فلسنا أقل من شعوب الأرض التي تنعم بالحياة الكريمة والخدمات التي تصون كرامة الإنسان. هذا حقنا الأصيل، وإن سُلب منّا ردحًا من الزمن، فالحقوق لا تسقط بالتقادم.
وانطلاقًا من هذه اللحظة التاريخية، جاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مثقلًا بأمانة التاريخ، ومُحمّلًا بآمال شعبٍ أرهقه التهميش عقودًا. جاء وفي كاهله مطالب لا تُحصى: بنية تحتية أنهكها الإهمال، وطرق وجسور تنبض بالحياة، وصناعات واستثمارات تعيد لمصر مجدها.
ونتيجة لهذه الرؤية، شهدت مصر طفرة كبرى في تنفيذ المشروعات القومية التي استهدفت تطوير البنية التحتية والارتقاء بجودة الحياة. وتصدّر قطاع النقل قائمة الأولويات، ليبرز مشروع مترو الإسكندرية كأحد أبرز الإنجازات التنموية التي ترسم ملامح منظومة نقل حديثة، تواكب تطلعات المواطنين وتدعم ركائز التنمية المستدامة.
تفاصيل المشروع: المراحل والتكلفة والتشغيل
وتجسيدًا لهذا التوجه، يُعد مترو الإسكندرية خطوة حضارية فارقة نحو تحديث النقل الجماعي بالمحافظة، بتحويل خط سكة حديد أبو قير إلى مترو كهربائي عصري. وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 1.71 مليار دولار أمريكي، بتمويل مشترك من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي، والوكالة الفرنسية للتنمية، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.
مراحل التنفيذ ومواعيد التشغيل
يُنفذ المشروع على ثلاث مراحل بطول إجمالي 43.2 كيلومتر:
- المرحلة الأولى: تمتد من أبو قير حتى محطة مصر بطول 21.7 كم وتضم 20 محطة، منها 6 محطات سطحية و14 محطة علوية. بدأ التنفيذ في يناير 2024، ومن المقرر افتتاحها وتشغيلها تجريبيًا في يونيو 2026، على أن يكون التشغيل الرسمي في مارس 2027.
- المرحلة الثانية: تمتد من الظاهرية حتى الكيلو 21 بطريق الإسكندرية-مطروح بطول 31 كم وتضم 21 محطة.
- المرحلة الثالثة: تمتد من الكيلو 21 حتى مطار برج العرب بطول 27 كم وتضم 10 محطات، لربط المدينة بالمطار وتبادل الخدمة مع الخط الأول للقطار الكهربائي السريع.
المواصفات التشغيلية
سيعمل المترو بسرعة تشغيلية تصل إلى 80 كم/ساعة، وبزمن تقاطر أقل من 3 دقائق. وسيرفع الطاقة القصوى للركاب من 2850 راكب/ساعة/اتجاه حاليًا إلى 60 ألف راكب/ساعة/اتجاه، مع تقليص زمن الرحلة من 50 دقيقة إلى 25 دقيقة فقط. وسيتم تشغيل 21 قطارًا جديدًا بواقع 189 عربة، يتم تصنيعها محليًا بشركة نيرك في شرق بورسعيد بتكلفة 275 مليون يورو.
الأثر الحضاري والاقتصادي: وجه جديد للإسكندرية
وبعيدًا عن لغة الأرقام، يترك المشروع بصمته العميقة على الصورة الجمالية والاقتصادية لعروس البحر المتوسط. فعلى الصعيد الحضاري، يُنهي المترو مشهد المزلقانات العشوائية والتقاطعات الخطرة التي شوهت وجه المدينة لعقود. وستتحول محطاته الـ20 في المرحلة الأولى إلى نقاط جذب معمارية حديثة، بتصميمات عصرية وإضاءات ليلية تمنح الإسكندرية طابعًا أوروبيًا يليق بتاريخها. كما ستُستغل المساحات أسفل الكباري العلوية للمترو في إنشاء حدائق ومتنزهات ومسارات مشاة، ما يعيد التوازن البصري للشوارع ويخفف من التلوث السمعي والبصري.
أما اقتصاديًا، فيُعد المترو محركًا قويًا لسوق العقارات. فالمناطق المحيطة بالمحطات الجديدة، من أبو قير مرورًا بميامي وسيدي بشر والعصافرة وصولًا لمحطة مصر، تشهد بالفعل ارتفاعًا ملحوظًا في القيمة السوقية للشقق والمحلات التجارية. ووفقًا لخبراء التثمين العقاري، فإن القرب من محطة مترو يرفع سعر المتر السكني بنسبة تتراوح بين 25% إلى 40%، بينما تقفز إيجارات المحلات التجارية إلى الضعف نظرًا لضمان تدفق آلاف الركاب يوميًا. هذا الرواج سيخلق شرايين تجارية جديدة، ويشجع على الاستثمار في الأبراج السكنية والمولات الخدمية، ويحول الأحياء التي عانت من العزلة النسبية إلى مراكز حياة نابضة.
وعلى الصعيد الميداني، يسهم المشروع في فك الاختناقات المرورية التي ترهق شوارع الإسكندرية، عبر وسيلة نقل سريعة ذات طاقة استيعابية ضخمة، ما يقلل الاعتماد على المركبات الخاصة ويُخفّض معدلات الزحام والتلوث البيئي.
وفوق كل ذلك، يعزز المترو معايير الأمان والسلامة بالاعتماد على أنظمة تشغيل ذكية، ومحطات متطورة، وإلغاء كامل للتقاطعات الخطرة والمزلقانات، ليمنح الراكب رحلة أكثر أمانًا وراحة.
إرادة تُشيّد وطنًا
إن مترو الإسكندرية ليس مجرد قضبان تمتد و عربات تسير، بل هو شهادة حية على أن الإرادة السياسية حين تقترن بالتخطيط العلمي تُعيد صياغة الجغرافيا وتصنع التاريخ. هو وعدٌ تحقق لأهالي الإسكندرية بأن مدينتهم العريقة قادرة على أن تلبس ثوب الحداثة دون أن تخلع عباءة الأصالة. مشروعٌ يختصر الزمن بين الأحياء، ويرفع قيمة الأرض، ويصون أرواح البشر، ويعلن للعالم أن مصر الجديدة لا تكتفي بالحلم، بل تشيّده حجرًا فوق حجر. ومع أول رحلة يطلقها المترو، ستكون عروس البحر المتوسط قد استعادت بعضًا من بريقها، وخطت خطوة واثقة نحو مستقبل يليق باسمها وتاريخها وشعبها.












