أخبار مصر

حين تتحدث الحضارات بالنغم.. كيف خطف الفلكلور المصري الأنظار في استقبال الرئيس الصيني؟

كتبت ـ شهد طه

لم تحتج مصر إلى خطاب طويل لتقول للرئيس الصيني شي جين بينج: أهلًا بك في القاهرة، في مطار القاهرة الدولي، وبينما اتخذت مراسم استقبال الرئيس الصيني وقرينته طابعها الرسمي، جاءت الموسيقى والرقصات والأزياء الشعبية لتضيف إلى المشهد لغة أخرى، أكثر دفئًا وأقرب إلى لغة الشعوب، إذ شاركت فرقة رضا للفنون الشعبية في استقبال الرئيس الصيني بعرض فني مستوحى من التراث النوبي، في مشهد جمع بين هيبة البروتوكول وملامح من الذاكرة الشعبية المصرية.

ولم يكن حضور الفلكلور المصري مجرد إضافة جمالية إلى مراسم الاستقبال، وإنما منح اللحظة الرسمية بُعدًا ثقافيًا واضحًا؛ فالدولة التي تستقبل قائدًا أجنبيًا لا تقدم له فقط برنامجًا سياسيًا واقتصاديًا، وإنما تقدم أيضًا صورة عن نفسها، وعن ثقافتها، وعن الطريقة التي تريد أن يراها بها ضيفها.

وفي حالة مصر والصين، تبدو الرسالة أكثر وضوحًا؛ فالزيارة تأتي بالتزامن مع احتفال البلدين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، بينما امتدت الشراكة بين القاهرة وبكين خلال العقود الماضية من السياسة والاقتصاد إلى الثقافة والتعليم واللغة والتبادل الشعبي.

ولم يكن اختيار فرقة رضا تحديدًا وليد اللحظة، ففي عام 2016، وخلال فعاليات العام المصري الصيني، سافرت فرقة رضا إلى الصين لتقديم عروضها ضمن فعاليات التبادل الثقافي بين البلدين.

وكان المخرج خالد جلال، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس قطاع الإنتاج الثقافي، قد تحدث لوكالة شينخوا عن اختيار الفرقة، موضحًا مكانتها وتاريخها ودورها في الحفاظ على التراث المصري منذ تأسيسها على يد الفنان محمود رضا في خمسينيات القرن الماضي، كما أشار إلى إعداد مواد تعريفية باللغة الصينية لمساعدة الجمهور على فهم مضمون الرقصات ودلالاتها الثقافية.

وبعد نحو عشر سنوات، تعود فرقة رضا إلى المشهد الصيني المصري من بوابة مختلفة؛ فبدلًا من أن تسافر إلى الصين لتقدم للجمهور هناك جانبًا من التراث المصري، أصبحت في القاهرة جزءًا من مراسم استقبال الرئيس الصيني نفسه.

إنها مفارقة زمنية لافتة تكشف كيف يمكن لفعالية ثقافية واحدة أن تمتد آثارها لسنوات، وأن تتحول من عرض فني إلى جزء من ذاكرة العلاقات بين دولتين.
ومن هنا يمكن قراءة حضور الفنون الشعبية في مراسم الاستقبال باعتباره نموذجًا لما يعرف في العلاقات الدولية بالقوة الناعمة؛ أي قدرة الدول على التأثير والجذب من خلال الثقافة والقيم والصورة التي تقدمها عن نفسها، إلى جانب أدوات السياسة والاقتصاد.

فالموسيقى والرقص والأزياء لا تحتاج بالضرورة إلى ترجمة، ويمكنها أن تقدم للضيف خلال دقائق صورة عن مجتمع كامل، وعن تنوعه وتاريخه وخصوصيته، والفنون الشعبية تحديدًا تحمل ميزة إضافية؛ لأنها لا تقدم الدولة باعتبارها مؤسسات واتفاقيات ومصالح مشتركة فقط، وإنما تقدمها باعتبارها مجتمعًا له ذاكرة وهوية وتراث حي.
فاللون النوبي والموسيقي الشعبية والحركة الجماعية للراقصين كلها عناصر تنتمي إلى مصر التاريخية واليومية في الوقت نفسه.

ويخلق هذا النوع من التواصل مستوى مختلفًا من العلاقات؛ فالاتفاقيات الرسمية تنظم التعاون بين الحكومات، بينما يساعد التبادل الثقافي في بناء معرفة متبادلة بين المجتمعات نفسها.

و يصبح مشهد فرقة رضا في مطار القاهرة جزءًا من صورة أكبر لعلاقة لا تقتصر على التجارة والاستثمار، حتى اختيار الفلكلور النوبي يحمل دلالة بصرية خاصة؛ فمصر لم تقدم في تلك اللحظة صورة عامة ومجردة عن “الثقافة المصرية”، وإنما قدمت لونًا محددًا من ألوان التنوع الثقافي داخل البلاد، بما يحمله من موسيقى وملابس وحركات وذاكرة مكانية.
وهذه التفاصيل هي التي تمنح الدبلوماسية الثقافية قوتها؛ لأنها تجعل الثقافة شيئًا يمكن رؤيته وسماعه وتذكره، وليس مجرد مفهوم يرد في البيانات الرسمية.

وفي المقابل، تمتلك الصين هي الأخرى تراثًا شعبيًا واسعًا ومتنوعًا، وتستخدم الفنون التقليدية في تقديم جانب من هويتها الثقافية أمام العالم ، لذلك فإن استخدام الفنون الشعبية في مناسبة تجمع القاهرة وبكين يمثل نقطة التقاء طبيعية بين دولتين تمتلك كل منهما إرثًا حضاريًا ممتدًا.
ويكتسب هذا التقارب أهمية إضافية مع احتفال البلدين بسبعة عقود من العلاقات الدبلوماسية؛ فبعد 70 عامًا من العلاقات الرسمية، لم تعد قصة مصر والصين مجرد تاريخ من الزيارات والاتفاقيات، وإنما أصبحت شبكة واسعة من الروابط تمتد من السياسة والاقتصاد إلى الثقافة والتعليم والسياحة والتبادل الشعبي.

وعادة ما تُقاس نتائج الزيارات الرئاسية بما ينتج عنها من اتفاقيات ومذكرات تفاهم وتصريحات مشتركة، لكن هناك طبقة أخرى أقل وضوحًا من الدبلوماسية تبدأ قبل التوقيع على أي وثيقة الصورة التي يخرج بها الضيف عن البلد الذي زاره.

وفي زيارة شي جين بينج الحالية، كان المشهد السياسي والاستراتيجي حاضرًا بقوة، لكن وسط الملفات الاقتصادية والسياسية، جاءت لحظة الفلكلور لتضع الإنسان والثقافة في قلب الصورة، رئيسان أمام عدسات العالم، أعلام مصر والصين في الخلفية، وفرقة شعبية تقدم عرضًا من التراث المصري.

إنها صورة تختصر في لحظات ما تحاول الدبلوماسية الرسمية التعبير عنه في صفحات من البيانات: التقارب، والاحترام، والاعتزاز بالهوية، وربما لهذا السبب لا تبدو مشاركة فرقة رضا في استقبال الرئيس الصيني مجرد فقرة فنية عابرة، إنها قصة فرقة حملت ذاكرة مصر إلى مسارح خارج البلاد، ثم وجدت نفسها بعد عقود في واحدة من أهم اللحظات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين.

وقصة علاقة مصرية صينية تتجاوز المصالح السياسية والاقتصادية إلى مساحة أكثر إنسانية: أن يعرف كل شعب شيئًا عن الآخر، وأن يرى ثقافته ويحترمها ويتفاعل معها، لذلك، فإن ما حدث في مطار القاهرة لم يكن مجرد رقصة سبقت اجتماعًا سياسيًا.

كان مشهدًا صغيرًا لدبلوماسية أكبر؛ دبلوماسية تستخدم الموسيقى بدل الكلمات، والزي بدل البيانات، والتراث بدل الشعارات، وفي اللحظة التي ارتفعت فيها أنغام الفلكلور المصري أمام الرئيس الصيني، لم تكن مصر تقدم له عرضًا فنيًا فحسب، بل كانت تقدم له صورة عن نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock