أخبار مصر

المتحف المصري الكبير.. حين تتحول الآثار إلى دبلوماسية ونفوذ عالمي

كتبت – شهد طه

لم يكن افتتاح المتحف المصري الكبير مجرد احتفال أثري بجوار أهرامات الجيزة، بل تحول إلى حدث دولي جمع ملوكًا ورؤساء وقادة من مختلف أنحاء العالم، واضعًا القاهرة في قلب تداخل معقد بين الثقافة والدبلوماسية والسياحة والقوة الناعمة. 

فالمشروع الذي استغرق إنجازه نحو عقدين وبلغت تكلفته أكثر من مليار دولار، لم يعد يُنظر إليه باعتباره أكبر متحف أثري في العالم فحسب، بل كمنصة تعكس طموحات مصر الدولية وتوظيفها لتراثها الحضاري في خدمة الاقتصاد والعلاقات الخارجية.

وجاء حضور الرئيس الصيني شي جين بينج إلى المتحف المصري الكبير اليوم الأربعاء، خلال زيارته الرسمية لمصر، ليمنح الصرح الأثري بُعدًا دبلوماسيًا جديدًا، خاصة مع إبداء الرئيس الصيني إعجابه بما شاهده من كنوز وآثار الحضارة المصرية القديمة. 

وخلال جولته بالمتحف، اطّلع شي جين بينج على عدد من أبرز المعروضات، في مقدمتها آثار الملك توت عنخ آمون، وأبدى تقديره لعراقة الحضارة المصرية وما تمثله من إسهام بارز في تاريخ الإنسانية. 

كما عكست الزيارة عمق الروابط الحضارية والثقافية بين مصر والصين، بالتزامن مع الاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لتؤكد أن المتحف لم يعد مجرد مؤسسة لحفظ الآثار وعرضها، وإنما أصبح أيضًا محطة بارزة في الزيارات الرسمية للزعماء ومنصة للقوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية المصرية.

ومن الجدير بالذكر أن حفل الافتتاح شهد حضور نحو 80 وفدًا رسميًا، بينها عشرات الوفود على مستوى رؤساء الدول والحكومات والملوك والأمراء؛ حيث تقدم الحضور العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس، والرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، والملكة رانيا العبد الله، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية (أش أ). 

وفي المقابل، غاب رؤساء القوى الدولية الكبرى؛ إذ تمثلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا وفرنسا على المستوى الوزاري والدبلوماسي فقط، في زاوية عكست التوازنات السياسية المعقدة المحيطة بالحدث.

تصدر الافتتاح تغطية وسائل الإعلام العالمية ووكالات الأنباء الدولية مثل “رويترز” و”أسوشيتد برس”، التي تناولته باعتباره أحد أبرز الأحداث الثقافية والسياحية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

ويعود مشروع المتحف المصري الكبير إلى أوائل الألفية الجديدة، حيث بدأت خطواته التنفيذية عام 2005، وكان من المقرر افتتاحه في عام 2010، إلا أن المشروع واجه سلسلة من التأجيلات بسبب التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدتها مصر والمنطقة، بدءًا من أحداث عام 2011، مرورًا بالأزمات المالية وجائحة كوفيد-19، وصولًا إلى تداعيات الاضطرابات الإقليمية التي أثرت على سلاسل الإمداد وأعمال التنفيذ.

وصُمم المتحف على يد مكتب “هينيغان بينغ” الأيرلندي بواجهة معمارية مستوحاة من الشكل الهندسي للأهرامات المجاورة، بينما يتصدر مدخله تمثال رمسيس الثاني الشهير، الذي أصبح أحد أبرز معالم المشروع منذ نقله من ميدان رمسيس بالقاهرة. 

وتبلغ مساحة العرض الدائم نحو 24 ألف متر مربع، وتضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، من بينها المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون التي تُعرض لأول مرة مجتمعة منذ اكتشاف مقبرته عام 1922.

ورغم أن التكلفة الإجمالية للمشروع تجاوزت مليار دولار، ما أثار نقاشات وملاحظات اقتصادية حول أولويات الإنفاق في ظل التحديات التي تواجهها البلاد، فإن وزارة السياحة والآثار ومحللي القطاع يراهنون على المشروع باعتباره استثمارًا طويل الأجل في أحد أهم القطاعات المولدة للعملة الأجنبية. 

ووفقًا لتقارير صادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات، يُتوقع أن يسهم المتحف في زيادة معدلات الإنفاق السياحي، وإطالة مدة إقامة الزوار، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلًا عن تعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية العالمية.

وتشير تقديرات الشركة المشغلة للمتحف (مجموعة حسن علام وحلفاؤها الدوليون) إلى استهداف استقبال ما بين 15 و20 ألف زائر يوميًا، بعدما استقبل في أول أيام فتح أبوابه للجمهور نحو 18 ألف زائر. 

كما سبق أن استقبل خلال مرحلة التشغيل التجريبي نحو 1.5 مليون زائر. وتأتي هذه الأرقام في إطار خطة حكومية تشير بيانات وزارة السياحة إلى أنها تستهدف الوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا بحلول عام 2032، بعد تسجيل نحو 15.7 مليون سائح خلال عام 2024.

وأعاد الزخم المصاحب لافتتاح المتحف إحياء المطالبات المصرية والدولية باستعادة عدد من القطع الأثرية البارزة الموجودة خارج البلاد، وفي مقدمتها حجر رشيد المعروض في المتحف البريطاني، وتمثال نفرتيتي في برلين، ودائرة أبراج دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس، وهي مطالبات تجددت في بيانات أطلقها آثاريون ومؤسسات ثقافية مع كل مناسبة كبرى تُبرز مكانة الحضارة المصرية القديمة عالميًا.

وتضمن حفل الافتتاح عروضًا موسيقية وبصرية ضخمة جمعت بين التكنولوجيا الحديثة والرموز الحضارية المصرية، من بينها عروض الطائرات المسيّرة “الدرونز” والموسيقى السيمفونية والأعمال الفنية المستوحاة من التراث المصري القديم.

لكن البعد الثقافي لم يكن وحده الحاضر في المشهد، فالمتحف أصبح خلال السنوات الأخيرة محطة دبلوماسية بارزة للزعماء والمسؤولين الأجانب خلال زياراتهم إلى مصر، في إطار توظيف التراث كأداة من أدوات القوة الناعمة.

وكان من أبرز هذه المحطات زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمتحف خلال زيارته الرسمية للقاهرة، قبل أن تتعزز الدلالات السياسية للمتحف بصورة أكبر مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج له ضمن زيارته الرسمية لمصر.

وتكتسب الزيارة الصينية أهمية خاصة، إذ جاءت بالتزامن مع مرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، وفي ظل تنامي الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. 

كما تعكس اهتمام الصين المتزايد باستخدام الثقافة والتراث ضمن أدوات دبلوماسيتها الدولية، بالتوازي مع توسع نفوذها الاقتصادي والاستثماري عبر مبادرة “الحزام والطريق”، التي تُعد مصر إحدى أهم محطاتها في الشرق الأوسط.

ولا تبدو زيارة الرئيس الصيني للمتحف مجرد جولة بروتوكولية داخل صرح أثري، بل تحمل دلالات سياسية أوسع تتجاوز حدود الثقافة والسياحة.

فالمتحف بما يمثله من رمزية حضارية عالمية، أصبح منصة لإبراز عمق العلاقات بين الدول، وإرسال رسائل سياسية ناعمة تعكس الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية المتنامية.

وفي هذا السياق، بدت زيارة شي جين بينج تجسيدًا لتقاطع المصالح الثقافية والاقتصادية بين القاهرة وبكين، ورسالة تؤكد المكانة المتزايدة لمصر في الحسابات الصينية والإقليمية.

ومع تزايد حضور القادة والزعماء داخل أروقته، لم يعد المتحف المصري الكبير مجرد مكان لعرض آثار الفراعنة، بل أصبح عنوانًا لدبلوماسية ثقافية جديدة تسعى مصر من خلالها إلى تعزيز مكانتها الدولية، ودعم قطاعها السياحي، واستثمار إرثها الحضاري في بناء النفوذ والتأثير.

وبين كنوز توت عنخ آمون وأروقة الحضارة المصرية القديمة، لا يروي المتحف المصري الكبير قصة الماضي فقط، بل يكشف كيف يمكن للتراث أن يتحول في القرن الحادي والعشرين إلى أداة للدبلوماسية والتنمية وصناعة النفوذ الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock