
حوار : ندى علاء
في التمثيل الصادق، لا تكون الكاميرا مجرد شاهد على أداء فني، وإنما تصبح نافذة تعبر من خلالها المشاعر الإنسانية بكل ثقلها وصدقها. وهذا ما نجحت الفنانة راندا إبراهيم في تحقيقه من خلال شخصية «أم حسن» في حكاية «لعبة جهنم»، بعدما استطاعت أن تترك أثرًا واضحًا لدى الجمهور، وتحوّل معاناة الشخصية من مجرد تفاصيل مكتوبة على الورق إلى حالة إنسانية نابضة بالحياة.
قدمت راندا إبراهيم شخصية أم مصرية تواجه قسوة الظروف، وتعيش اختبارًا إنسانيًا بالغ الصعوبة، فجاء أداؤها هادئًا في صدقه، عميقًا في إحساسه، بعيدًا عن المبالغة أو الاستعراض. ومع تصاعد الأحداث، بدا الألم في ملامح الشخصية قبل كلماتها، لتكشف التجربة عن قدرة الفنان على الوصول إلى أعماق الشخصية حين يمتزج التحضير الفني بالتجربة الإنسانية.
وفي حوار خاص، تكشف راندا إبراهيم كواليس تجربتها مع شخصية «أم حسن»، ورد فعلها على إشادة الجمهور بأدائها، وكيف استحضرت مشاعر الأمومة في بناء الشخصية، إلى جانب تفاصيل تصوير مشهد الوفاة وتأثيره النفسي والجسدي عليها، ورؤيتها للفارق بين تجسيد أم تبحث عن ابنها وأخرى تواجه حقيقة فقدانه، كما تتحدث عن رسالتها إلى المواهب الشابة التي تخطو خطواتها الأولى في عالم الفن.
راندا إبراهيم: الجمهور بدأ يلتفت إلى الشخصية.. وردود الأفعال فاقت توقعاتي
«أم حسن» دخلت قلوب الجمهور من أول مشهد، وخلت ناس كتير تسأل: مين الممثلة اللي قدرت توصل الوجع بالشكل ده؟ إنتِ نفسك، أول ما شوفتي ردود الفعل على الشخصية، كان أول إحساس جالك؟
فرحت جدًا، حسيت إن الناس بدأت تتوجه للشخصية. مجرد إن الجمهور بيشيد بيكي، بيكون في سعادة غامرة لكل ممثل، إنك بدأتي تلفتي نظر الجمهور في مسلسل ما. سعادة وفرحة، الحمد لله، ردود الأفعال أعلى من مخيلتي.
راندا إبراهيم: أنا أم مصرية أعيش تفاصيل الحياة اليومية للأم
حضرتك قدرتي تلمسي شعور الأمومة لدى المشاهدات، كيف استطعتِ الوصول إلى هذا الإحساس؟
علشان أنا أم مصرية زي كل الأمهات، بتمر في حياتها بعناء وشقاء علشان تربي ابنها، بتمر بمواقف وصعوبات في الحياة بتخليكي عندك مخزون داخلي بالمشاعر والأحاسيس.
أنا مصرية باحته ست بيت جدًا، مش حكاية فنانة. أنا بقوم بكل المهام اللي الأم بتقوم بيها، فعندي إحساس بالأمومة. أنا أم مصرية باحته زيي زيكم بالضبط، وشكلي شكلكم، علشان كده المخرجين بيجيبوني في دور الأم أو دور الست المصرية اللي في أدوار حد عايزين ملامحه مصرية.
الحمد لله، ربنا بيوفقني، والنجاح ده رزق من ربنا.
راندا إبراهيم: تخيلت يوسف مكان حسن.. وده صعّد الإحساس
قلتي إنك تخيلتي ابنك يوسف مكان حسن، هل ساعدك ذلك في الوصول إلى هذا المستوى من الوجع؟
دا ممكن اللي صعّد الإحساس، لأننا بنبني الشخصية. لما بيجيلي الورق، بقعد أذاكر أوي لغاية أما «أقفش الـCharacter» زي ما بيقولوا، وأبتدي أشوف إحنا بنمر بكذا شخصية في حياتنا.
لما بقعد مع نفسي أذاكر وأحفظ وأشوف: أنا وصلت؟ حفظت المعنى وحسيته ولا لأ؟ بناءً عليه بقفش الشخصية. بيجي عندك المخزون بقى، ده إنتي بتضيفي ليه الإحساس والشخصية.
الورق لما بيبقى مكتوب حلو وتفاصيل السيناريو، أي مؤلف لما بيكتب سيناريو، ما بين الأقواس بيكون شارح صورة: إنتي حزينة أو فرحانة، إلخ.
كل الناس بتعيط بالدموع، بس مش بتعيط علشان سبب. قوة السبب هي اللي بتخليكي تتوجعي، أو بيبان بقى في ملامحك. في ناس بتعيط، ملامحها بتكون عادي؛ لأن بنقيس قوة الحزن عند البني آدم.
ده حزين بسبب ضياع محفظة، ده حزين بسبب فلوسه ضاعت أو اتسرقت، إنما في حزن قوي زي اللي أنا اتحطيت فيه.
أنا ببص للنقاط دي، أنا ببص لنقطة وجع الست دي كبير أوي، فلو أنا مكانها وابني حصله كده، فأنا لما نزلت في الإسعاف تخيلت يوسف.
لأ، ده وجع، إن منذر في سن يوسف، وإن صاحب يعمل في صاحبه كده. اليوم فعلًا حسيت بالوجع في اللحظة دي، لما شفت الجثمان متقطع فوق. ده ساعدني طبعًا على الريأكشن والانهيار اللي أنا وصلت له.
والمخرج وتوجيهاته، أصل أنا عنصر واحد في بقية العناصر اللي حواليكي، هي اللي ناجحة وهي اللي ساعدتك.
راندا إبراهيم: شعرت طوال الوقت أنني لا أمثل وإنما أعيش الموقف
هل مررتِ بلحظة شعرتِ فيها أن التمثيل توقف، وأنك عشتِ الفقد بصورة حقيقية؟
حسيت طول الوقت إني مش بمثل، وإني عايشة الموقف وحساه، وقضيت يوم ولا كأني قضيته حقيقي في الإسعاف.
مكنتش حاسة إننا بنمثل، حسيت بس إني بفصل وإحنا بناخد زوايا بتاعت المشاهد، فابتدي أطلع بقى من بره الحزن ده.
بقعد مع نفسي شوية، التعايش اللي إحنا بنعيشه كأنك كنتي في دفنة. الناس مهما تكلمك بتكوني فاصلة تمامًا، بتسمعي وحاسة بيهم، بس ما زلتي فاصلة وحاسة بالتعب والإرهاق والوجع، علشان الإحساس ميهربش منك، لأن لو هرب مش هعرف أسترجعه تاني.
راندا إبراهيم: التمثيل الصادق الذي يخرج من القلب يصل إلى القلب
كيف بنيتِ هذا الوجع دون أن يتحول إلى أداء مبالغ فيه؟
بسبب توجيهات المخرج. إنتي ممكن تبالغي وتصوتي، في أمهات بتصوت. أنا وصلته إحساس داخلي أكتر من إنه يبقى إحساس خارجي.
لما عملنا بروفات مع أستاذ إسلام، وبنقرا المشهد وهو بيشرحه، إحساسي جابني، وفي حاجات صرخت فيها، هو أخد أحسنهم.
التمثيل الصادق اللي بيخرج من القلب، أي حاجة صادقة بتخرج من قلبك بتوصل للقلب علطول. إحساسي كان صادق من قلبي، فوصل لقلب الجمهور علطول.
إحنا في مشاهد كتير عيطنا وصوتنا فيها، بس اللي بيوصل هو اللي بيكون صادق فيه، مش دموع نازلة.
راندا إبراهيم: بعد التصوير عدت إلى المنزل منهكة نفسيًا وجسديًا
بعد انتهاء تصوير مشهد الوفاة، هل استطعتِ العودة إلى راندا بسهولة، أم أن «أم حسن» ظلت معك لبعض الوقت؟
فضلت توقيت لغاية ما روحت منهكة، زي ما بيحصل عندك حالة وفاة، زي ما مريت في حالة وفاة أمي. بتروحي، بس بتاخدي شوية، بس مش كتير.
لما بنقول «فركش»، خلاص شغل، بس بيفضل شعور كأنك كنتي في عزاء أو دفنة. بس ملازمنيش الوجع، لازمني المجهود والوجع الجسدي، ونفسيًا مخنوقة، وبعدين بعد الشغل ارتاحت.
راندا إبراهيم: وجع الفقد أقوى من أي وجع آخر
مشهد «الكوتشي» يحمل وجعًا مختلفًا عن مشهد الوفاة، أيهما كان أقسى على راندا الإنسانة؟
وجع الفقدان طبعًا كان أقوى طبعًا عند أي حد، علشان كده هو ده علّم مع الناس أكتر. إنك تفقدي حد عزيز عندك، دي أقوى.
الكوتشي ده إحساس وجعه قهرة ومذلة، إنك تتذلي علشان الاحتياج. إنتي مش معاكي فلوس تجيبي حاجة، وطلبتي من حد، والحد ده كسفك.
فبيحصلك كسرة نفس، كسرة نفسك بتجيب ليكي قهرة، إنك ذلتي نفسك على الفاضي، ذلتي نفسك بدون مقابل.
راندا إبراهيم: وجع الفقد هو انقطاع آخر خيط من الأمل
قدمتِ شخصية الأم في حكاية «نرجس» و«لعبة جهنم».. ما الفرق بين وجع أم تبحث عن ابنها ووجع أم فقدته؟
الفرق بينهم شعراية.
قهرة أم على إن ابنها اتخطف، بيكون في شعرة أمل. آه، بتحزن وتعيط وتتوجع، بس عندها أمل لبكرة إنها تلاقيه، بالـDNA أو إعلانات، بواحدة تيجي تعمل عملية بحث، أو في الملاجئ أو هنا وهنا.
أو إنها بيكون عندها يقين إنها هتلاقيه في يوم من الأيام. أمينة رزق لما كانت في فيلم «المولد»، إنها عندها يقين إنها هتلاقي ابنها.
آه، موجوعة عليه، بس عندها شعرة أمل، إنما وجع الفقد ده خلاص شعرة الأمل اتقطعت من عندك.
راندا إبراهيم: «اتمسك بحلمك.. ربنا مش بيضيع حلم حد ولا تعب حد»
بعد النجاح الكبير الذي حققتِه في «لعبة جهنم»، ما النصيحة التي تحبين تقديمها لكل موهبة شابة تخطو خطواتها الأولى في الفن؟
اتمسك بحلمك. لو إنت موهوب ومؤمن بنفسك، اتمسك بيه جامد، عاجلًا أم آجلًا هيتحقق، طول ما إنت متمسك بيه وبتسعى عليه، لأن لكل مجتهد نصيب.
ربنا مش بيضيع حلم حد ولا تعب حد أبدًا، بس في توقيته. لما بيأذن، بيقول للشيء «كن فيكون».







