
بقلم : خالد متولى
قد يبدو العنوان غريبا في البداية، فكيف يكون الظلم رحمة؟ وكيف يتحول القهر الذي عاشه المظلوم في الدنيا إلى باب من أعظم أبواب رحمة الله الواسعة ؟
والحديث هنا ليس عن الكافرين، بل عن المؤمنين الموحدين الذين جمعتهم لا إله إلا الله، ثم فرقت بينهم خصومات الدنيا فظلم بعضهم بعضا.
وليس في هذا الكلام تبرير للظلم، فالظلم ظلمات يوم القيامة، وإنما هو بيان كيف يحول الله البلاء إلى عطاء برحمته الواسعة.
وهنا لا بد من توضيح مهم حتى لا يفهم أحد خطأ أننا ندعو المظلوم إلى ترك حقه في الدنيا وأن يكون ضعيفا مستسلما. لا، بل يجب على المظلوم أن يكون قويا عزيزا، وأن يسعى بكل طريق مشروع لأخذ حقه ورد الظلم عنه، وأن يقف أمام الظالم بشجاعة وكرامة. ولكن إن سعى ولم يستطع، أو غلب على أمره، فلا يحزن ولا ييأس، فإن حقه محفوظ عند رب لا يضيع عنده شيء، وسيأخذه كاملا يوم القيامة أحوج ما يكون إليه.
والآن أريد منك شيئا واحدا: أغمض عينيك وتخيل أنك هناك بالفعل، فأنت الآن لا تقرأ كلاما على ورق ، أنت فى أرض المحشر حاليا .
تخيل نفسك داخل القبر في ظلمة وسكون تام، وفجأة تهتز الأرض من تحتك، وتسمع النفخ في الصور، فيتشقق القبر ويتجمع جسدك من جديد وتخرج حافيا عاريا. هل ترى نفسك هناك الآن؟
انظر حولك في خيالك، سترى زحاما هائلا وبحرا من البشر من لدن آدم إلى آخر مولود، وسترى الشمس قد دنت حتى صارت على قدر ميل من الرؤوس، وستشعر بالعرق يتصبب منك حتى يبلغ كعبيك وركبتيك، وسترى من يلجمه العرق إلجاما. هل ترى نفسك هناك الآن؟
أنت واقف منذ خمسين ألف سنة، قدماك متورمتان وحلقك جاف، وها قد جاء وقت الحساب والوقوف أمام الله. قلبك يخفق بشدة ويكاد يتوقف، وتشعر بمشاعر مضطربة ومتناقضة تعصف بك في نفس اللحظة. أنت خائف خوفا شديدا أن تكون من أهل النار، وتتذكر ذنوبك وتقصيرك فترتجف. وفي نفس الوقت يملأ قلبك أمل ورجاء في رحمة الله أن تكون من أهل الجنة. أنت بين الرجاء والخوف، بين الأمل واليأس، لا تدري مصيرك، وتترقب الكلمة التي ستحدد أبديتك. هل ترى نفسك هناك الآن وتشعر بهذه المشاعر؟
وترى الأم تفر من ولدها وكل إنسان يقول نفسي نفسي ولا ينظر أحد إلى أحد. وترى الصحف تتطاير والموازين تنصب، ويؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، وترى الصراط مضروبا على متنها أدق من الشعرة وأحد من السيف.
وأنت في وسط هذا الهول ترى نفسك واقفا بجوار من ظلمك، أنت صاد وهو سين، الذي أكل حقك وآذاك في الدنيا يقف بجوارك الآن عاريا خائفا لا يملك لنفسه شيئا.
ونحن ندخل الجنة برحمة الله لا بأعمالنا، والله قد يعفو عن حقه فهو الكريم الغفور، أما حقوق العباد فلا تضيع عنده بعدله.
وهنا تتجلى الرحمة، فترى قصرا عظيما في الجنة يريه الله لك ونوره يبهر عينيك، فتسأل وأنت ترتجف: يا رب لمن هذا؟ ألنبي أم لشهيد؟ فتسمع الجواب: هو لك إن عفوت عن أخيك.
أنت الآن في قمة الرعب وتتمنى الخلاص بكلمة واحدة، وقد عُرض عليك القصر والجنة مقابل أن تقول: عفوت يا رب. فمن منا يستطيع رفض عرض كهذا؟ هل يرفض أحد انتهاء الحساب ومعرفة مصيره في الجنة بعد عذاب القلق والانتظار والترقب؟ فترى نفسك تصرخ من قلبك: عفوت يا رب .
فتسمع النداء: خذ بيد أخيك وادخلا الجنة.
ومن عظمة ما رأيت ستتمنى وتقول: يا ليتني ظلمت أكثر، وليت فلانا وفلانا قد ظلموني أيضا، فبعدد المظالم تكون القصور.
أرأيت كيف تحول ما كان ظلما في الدنيا إلى رحمة أنقذتك أنت ومن ظلمك؟ فليس كل ما تعتقده شرا في الدنيا يكون كذلك، بل ربما يكون هو أقصى درجات الخير ولكنك لا تدرك حكمته. ولعل أقرب مثال لذلك قصة سيدنا موسى والخضر في سورة الكهف، حين لم يفهم موسى حكمة ما يفعله الخضر إلا بعد أن أخبره الخضر بذلك. فليس كل شر شرا.
فاصبر واحتسب وقل الحمد لله، فرب ظلم في الدنيا كان طريقك إلى الجنة في الآخرة.
ولا تظن أن هذا الكلام تشجيع على الظلم، بل هو تحذير لكل ظالم، فأنت يوم القيامة ستقف خمسين ألف سنة في ذل ورعب تنتظر مصيرك، ولن تنجو إلا إذا قال عنك المظلوم من قلبه عفوت يا رب. فلماذا تنتظر ذلك الموقف المهين؟ الأسهل لك ألف مرة أن تذهب إليه اليوم في الدنيا قبل فوات الأوان، فترد له حقه وتطلب منه العفو والسماح الآن وأنت في عزة وستر، قبل أن تطلبه هناك وأنت في ذل وهوان أمام الخلائق كلها.







