Uncategorized

كيف تُدار حروب الجيل الخامس؟ نظرة على آليات التلاعب بالوعي العام

بقلم: خالد محمد

في الآونة الأخيرة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة تستحق التوقف عندها. فعلى سبيل المثال، هناك إحدى الصفحات التي استخدمت اسم داعية إسلامي شهير له محبة كبيرة في قلوب الناس لجذب المتابعين، وعلى الرغم من ذلك لم تنشر حرفاً واحداً عن هذا الداعية، بل كان كل محتواها عبارة عن هجوم على الدولة المصرية ورموزها السياسية من خلال نشر الشائعات والأكاذيب. وهنا يبرز السؤال المنطقي: ما علاقة الداعية الديني بهذا المحتوى؟ إنها صفحات مغرضة بامتياز تلعب على عواطف وهموم البسطاء.

وهنا يجب أن ننتبه إلى نقطة غاية في الأهمية. ليس بالضرورة أن يكون كاتب هذا المنشور المسيء منتمياً لجماعة الإخوان أو غيرها. ففي كثير من الأحيان، تكون هناك جهات خارجية تنتحل صفة مواطن مصري وتتحدث بلسانه حتى يصدقها الناس. وهذه الظاهرة تتكرر كثيراً، وليست أمراً غريباً. لذلك، أرجو من الجميع ألا يصدق أي كلام قبل أن يبحث ويدقق في أصل المعلومة. وأدوات التحقق اليوم أصبحت متاحة وسهلة، ويمكن لأي شخص البحث عن مصدر الخبر بسهولة.

كيف تعمل هذه الجهات؟ إنها تعمل وفق نظريات إعلامية مدروسة. فهناك نظرية في الإعلام يمكن أن نطلق عليها “نظرية الشللية”. فكرتها ببساطة أنك إذا كنت تسير في الشارع ووجدت مجموعة من الناس تقول إن فلاناً فاسد، فستقول مثلهم بشكل تلقائي. وإذا دخلت الشارع الذي يليه ووجدت مجموعة أخرى تقول إن نفس الشخص ولي من أولياء الله الصالحين، فستردد كلامهم أيضاً. هذا ما يسمى بـ “العقل الجمعي”، حيث يتم اللعب على عواطفك ومشاكلك ومخاوفك وتوجيهك إلى الاتجاه الذي يريدونه دون أن تشعر.

وهناك نظرية أخرى تسمى “السياق”، أي في أي موضوع وكيف تم ذكر هذا الاسم. ولتبسيط الأمر، سآخذ مثالاً عن الرئيس عبد الفتاح السيسي. الناس مستاءة بطبيعة الحال من غلاء الأسعار وبعض المشكلات التي لا تزال تعاني منها البلاد. تخيل أنك تسير في الشارع ووجدت مظاهرة تهاجم الرئيس بسبب غلاء الأسعار، فستجد نفسك تهاجمه معهم. بينما لو دخلت الشارع التالي ووجدت مظاهرة أخرى تؤيد الرئيس بسبب مواقفه في السياسة الخارجية ووقوفه في وجه مخططات إسرائيل وأمريكا، فستجد نفسك تهتف له، مع أنك كنت تهاجمه منذ لحظات. هذا باختصار شديد يحدث وأنت لا تشعر بالعمل الذي يتم عليك. وهذا لا يفهمه إلا من درس الإعلام أو عمل به. وأنا أتشرف بكوني إعلامياً وطنياً، ولذلك أفهم هذه اللعبة إلى حد ما وأحاول أن أشرحها لكم ببساطة حتى لا يستطيع أحد التلاعب بعقولكم.

هل هناك مشاكل وصعوبات في البلد؟ نعم، هناك بكل تأكيد. لكن ما هو الحل؟ إذا أردت أن تقيّم أداء الرئيس بشكل صحيح، فيجب أن تضع نفسك مكانه وفي نفس الظروف التي يعمل فيها، مع الأخذ في الاعتبار أنه مسؤول عن دولة بأكملها، وبالتالي فإن تفكيره مختلف تماماً عن تفكير المواطن العادي الذي يفكر في مصلحته وحياته الشخصية اليومية فقط. الموضوع مختلف تماماً، وهناك قرارات قد نراها صعبة وغير مقبولة، لكننا لا نعرف أسبابها، لأن هناك معلومات يستحيل أن تُقال في العلن.

ويجب أن ننتبه إلى أننا الآن في خضم حروب الجيل الخامس. ولمن لا يعرف الفرق بين أجيال الحروب، أوضحه باختصار. الجيل الأول كان قبيلة تحارب قبيلة، والجيل الثاني كان جيش دولة يحارب جيش دولة أخرى، كما حدث بين مصر وإسرائيل. أما الجيل الثالث فهو جيش دولة يحارب منظمة، مثلما حارب الجيش الأمريكي تنظيم القاعدة. أما الجيل الرابع والخامس فهي حروب شائعات وليست حروب أسلحة.

فالجيل الرابع تقوم به دول أو منظمات معادية تحاول التشكيك في مؤسسات الدولة ومفاصلها لزرع حالة من اليأس والإحباط لدى المواطنين، من خلال أذرع إعلامية فاسدة وعبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، ونشر أخبار مغلوطة لكنها مصنوعة بطرق احترافية حتى لا تنتبه إلى هدفها الحقيقي.

أما الجيل الخامس الحالي، فهو يقوم على التشكيك في شخص القائد نفسه والترويج لفساده وخيانته وترديد باقي هذا الكلام، لأن الناس إذا صدقت أن القائد فاسد وخائن، فبالتبعية ستكون كل الدولة والقيادات التي تحته فاسدة أيضاً، وهو المطلوب إثباته. وبالطبع سيؤدي هذا إلى نشر حالة من الإحباط والغضب والغليان المكتوم داخل الشعب، وسيظلون يغذون هذا الإحساس حتى تأتي اللحظة وينفجر الوضع ويتحقق هدفهم، كما حدث في 25 يناير بالضبط وفي ثورات الربيع العربي في كل الدول العربية.

والذي يدل على أن مدبر الربيع العربي كيان واحد هو وحدة الأسلوب والطريقة والهدف ووحدة التوقيت. لكن الناس لا تفهم وتعتقد أنها نزلت تطالب بحقوقها، في حين أنهم تم استغلالهم للنزول من أجل إسقاط الأنظمة الحاكمة حسب المخطط الذي كان موضوعاً آنذاك، وتم استغلال البسطاء من خلال إيهامهم بالدفاع عن حقوقهم، في حين أن الأمر كله كان مخططاً صهيونياً أمريكياً. والدليل الواضح جداً على ذلك أن وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها كونداليزا رايس قالت بمنتهى الصراحة إنها تريد تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، وهو عبارة عن إعادة تقسيم المنطقة بحدود سياسية ودول جديدة. فكيف سيحدث هذا في دولة مثل مصر؟ هل كان مبارك سيوافق على تقسيم مصر؟ حتى لو كان فاسداً، فلن يرضى أن يترك جزءاً من مناطق نفوذ حكمه. ونفس الكلام ينطبق على سوريا وليبيا وتونس وغيرها. إذن ما الحل في مصر مثلاً؟ أن يرحل مبارك ويأتي من يوافق على التقسيم بمنتهى البساطة. فكيف نزيل مبارك؟ نشتغل على السلبيات ونغذيها بكثافة وننشئ حركات مثل كفاية و6 أبريل ونظل نشحن غضب الشعب من خلال مواضيع فيها جانب من الصحة حتى يصدق الناس ويثوروا، وفي لحظة الانفجار ينزل الناس إلى الشارع معتقدين أنهم يقومون بثورة، مع أن الحقيقة أنهم تم استغلالهم لتخريب البلد دون أن ينتبه أحد منهم.

وهذا هو ما يحاولون فعله مرة أخرى الآن.

أتمنى أن نفهم هذا الكلام جيداً ونركز فيه. وأنا لا أطلب من أحد أن يصدقني أو يقتنع بكلامي إلا بعد أن يفكر فيه جيداً ويتأكد بنفسه مما أقوله. فكروا بعقولكم ولا تجعلوا أحداً يفكر بالنيابة عنكم مهما كان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock