
بقلم: محمود الجندي
هناك لحظة في حياة كل إنسان يدرك فيها أن الصبر، مهما طال، لا ينبغي أن يتحول إلى باب مفتوح للظلم، وأن التسامح، مهما كان نبيلاً، لا يعني السماح للآخرين بتجاوز الحدود، وأن السكوت عن الإساءة لا يعني بالضرورة العجز عن الرد.
فكم من إنسان يمتلك من القوة والقدرة ما يجعله قادرًا على استرداد حقه بكل الطرق المشروعة، لكنه يختار الصبر، ويتجنب الصدام، ويمنح الآخرين الفرصة تلو الأخرى، ليس ضعفًا منه، بل لأنه تربى على احترام الناس، وحفظ الكرامة، والابتعاد عن الصغائر.
ولكن المشكلة تبدأ عندما يسيء البعض فهم هذا الصبر، فيعتقدون أن الهدوء خوف، وأن التسامح ضعف، وأن احترام الآخرين تصريح مفتوح لممارسة الظلم والإساءة دون حساب.
وهنا تكمن الخطورة؛ حين يتحول صبر الإنسان في نظر الآخرين إلى فرصة لاستباحة حقوقه، وتصبح طيبته سببًا في التمادي عليه بدلًا من أن تكون دافعًا لاحترامه.
هناك أشخاص لا يشعرون بقيمتهم إلا عندما ينتقصون من قيمة غيرهم، ولا يجدون متعتهم إلا في إيذاء البشر، وكأن سعادتهم لا تكتمل إلا بكسر خاطر إنسان، أو تشويه سمعة زميل، أو وضع العراقيل في طريق شخص لم يرتكب ذنبًا سوى أنه لم يخضع لرغباتهم.
إنهم أولئك الذين يتلذذون بأذى الآخرين، ويشعرون بنشوة زائفة عندما يرون إنسانًا حزينًا بسبب تصرفاتهم، أو عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، أو مضطرًا إلى الصمت حفاظًا على لقمة عيشه أو استقرار أسرته.
ولا يدرك هؤلاء أن إيذاء الآخرين ليس دليل قوة، وأن القدرة على إلحاق الضرر بالناس لا تعني امتلاك المكانة، بل إن بعض التصرفات تكشف عن ضعف داخلي يحاول أصحابها إخفاءه خلف سلطة أو منصب أو نفوذ.
حين تتحول السلطة إلى وسيلة لإيذاء الآخرين!
في ميادين العمل، قد نجد مسؤولًا يعتقد أن منصبه يمنحه الحق في التعامل مع الآخرين وفقًا لأهوائه الشخصية، فيقترب ممن يرضى عنهم، ويبتعد عمن يختلف معهم، ويمنح البعض فرصًا لا يستحقونها، بينما يضع العراقيل أمام آخرين دون سبب موضوعي.
وقد نجد زميلًا لا يطيق نجاح زميله، فيحاول التقليل من شأنه، أو نقل صورة غير حقيقية عنه، أو إثارة الشكوك حوله، لأنه لا يستطيع تقبل فكرة أن هناك من يمتلك الكفاءة والاحترام دون الحاجة إلى التملق أو المجاملة.
وهناك من يحاول إرضاء أصحاب النفوذ على حساب الحقيقة، فيغير مواقفه وفقًا للمصلحة، ويتخلى عن زملائه عند أول اختبار، متصورًا أن إرضاء الأقوى سيحميه من الحساب، ولو كان ذلك على حساب إنسان بريء.
لكن المناصب لا تصنع أخلاقًا، والسلطة لا تمنح صاحبها الحق في الظلم، والخوف الذي يفرضه المسؤول على من حوله لا يمكن أن يكون بديلًا عن الاحترام الحقيقي.
فالمسؤول العادل هو من يستخدم سلطته لحماية الحقوق وتحقيق الإنصاف، أما من يجعلها وسيلة لتصفية الحسابات أو الانتقام من المخالفين له، فإنه يسيء إلى نفسه قبل أن يسيء إلى الآخرين.
والأهم من ذلك أن كل إنسان، مهما علا منصبه، سيظل مسؤولًا عن تصرفاته، وسيأتي يوم تُراجع فيه المواقف، وتظهر فيه الحقائق، ويتبين فيه الفرق بين من استخدم سلطته لخدمة الناس، ومن استخدمها لإيذائهم.
ليس كل صامت عاجزًا.. وليس كل متسامح ضعيفًا!
من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يحكمون على الآخرين من خلال ردود أفعالهم الظاهرة، فإذا صمت الإنسان قالوا إنه خائف، وإذا تجاوز عن الإساءة اعتقدوا أنه عاجز، وإذا رفض الدخول في صراعات صغيرة ظنوا أنه لا يستطيع المواجهة.
لكن الحقيقة أن الإنسان الواعي لا يدخل كل معركة، ولا يرد على كل إساءة، ولا يسمح للآخرين باستدراجه إلى تصرفات قد تسيء إليه أكثر مما تسيء إلى من بدأها.
فالقوة الحقيقية ليست في ارتفاع الصوت، ولا في التهديد، ولا في القدرة على الانتقام، بل في امتلاك النفس، والتمسك بالمبادئ، ومعرفة متى يكون الصمت حكمة، ومتى يصبح الكلام ضرورة، ومتى يكون التنازل تسامحًا، ومتى يتحول إلى تفريط في الحقوق.
وكم من إنسان صبر طويلًا، ليس لأنه عاجز عن المواجهة، بل لأنه كان يأمل أن تتغير النفوس، وأن تعود الأمور إلى نصابها، وأن يدرك المسيء خطأه دون الحاجة إلى تصعيد أو خصومة.
لكن ليس من العدل أن يُطلب من المظلوم أن يصبر إلى ما لا نهاية، بينما لا يُطلب من الظالم أن يتوقف عن ظلمه.
فالصبر فضيلة، لكنه ليس تفويضًا مفتوحًا للآخرين كي يتمادوا في الإساءة، والتسامح قيمة عظيمة، لكنه لا يعني التنازل عن الكرامة أو التخلي عن الحقوق.
عندما ينفد الصبر.. تبدأ مرحلة مختلفة!
لكل شيء نهاية، وللاحتمال حدود، وللنفس البشرية طاقة لا يمكن تجاهلها.
وحين ينفد صبر الإنسان، لا يعني ذلك بالضرورة أنه قرر الانتقام، أو أنه فقد السيطرة على نفسه، بل قد يعني ببساطة أنه قرر التوقف عن منح الفرص لمن لا يقدرها، وأنه لن يسمح بعد الآن بتكرار الإساءة تحت مسمى التسامح، أو باستمرار الظلم تحت ستار الصبر.
وهنا تظهر قيمة الوعي الحقيقي؛ فبدلًا من الانجرار إلى الانتقام، يستطيع الإنسان أن يلجأ إلى الطرق المشروعة، وأن يتمسك بالأدلة، وأن يطالب بحقه من خلال القنوات القانونية، وأن يواجه التجاوزات بالحقيقة، لا بالشائعات، وبالمواقف الواضحة، لا بالإساءة المتبادلة.
فالحقوق لا تُسترد بالفوضى، والكرامة لا تُحفظ بظلم الآخرين، والإنسان الشريف لا يحتاج إلى أن يتحول إلى نسخة ممن أساؤوا إليه حتى يثبت أنه قادر على المواجهة.
أقوى رد على الظلم هو أن يستطيع المظلوم استرداد حقه دون أن يصبح ظالمًا، وأن ينتصر لنفسه دون أن يفقد احترامه لمبادئه.
أما من اعتاد إيذاء الآخرين، فربما يفسر هدوءهم على أنه انتصار له، لكنه لا يدرك أن لكل موقف حسابًا، وأن لكل تصرف أثرًا، وأن بعض الحقوق يمكن المطالبة بها بعد مرور الوقت، ما دامت وسائل إثباتها وسبل المطالبة بها قائمة.
الدنيا دوارة.. والمناصب لا تدوم!
كم من أشخاص ظنوا أنهم امتلكوا كل شيء، لأنهم جلسوا يومًا على مقعد السلطة، أو امتلكوا صلاحية اتخاذ القرار، أو أحاط بهم أناس يخشون مخالفتهم!
وكم من أشخاص تعاملوا مع الآخرين بتعالٍ، وتصوروا أن أحدًا لن يستطيع محاسبتهم، وأن ما يفعلونه سيظل بعيدًا عن أعين الحقيقة!
لكن الأيام تتغير، والمواقع تتبدل، والظروف لا تبقى على حالها، وقد يجد الإنسان نفسه يومًا في موقف يحتاج فيه إلى الإنصاف نفسه الذي حرمه على الآخرين.
والمؤلم أن بعض الناس لا يدركون قيمة العدل إلا عندما يحتاجون إليه، ولا يفهمون قسوة الظلم إلا عندما يقع عليهم، ولا يشعرون بألم الكلمة الجارحة إلا عندما يسمعونها موجهة إليهم.
ولو أدرك كل إنسان أن ما يفعله بالآخرين قد يعود إليه يومًا في صورة موقف مشابه، لاختار كلماته بعناية، وتعامل مع الناس بإنصاف، وفكر كثيرًا قبل أن يتسبب في أذى لا مبرر له.
فليس المطلوب أن يحب الجميع بعضهم بعضًا، ولا أن يتفق الناس في آرائهم ومصالحهم، ولكن المطلوب ألا يتحول الاختلاف إلى مبرر للإهانة، وألا تتحول الخصومة إلى وسيلة لتدمير الآخرين، وألا يصبح امتلاك القوة سببًا في الاستهانة بحقوق الضعفاء.
كلمة أخيرة.. لكل من يظن أن صبر الآخرين ضعف!
لا تستهينوا بصبر إنسان، ولا تفسروا تسامحه على أنه عجز، ولا تتصوروا أن احترامه لكم يعني أنه لا يستطيع اتخاذ موقف يحفظ به كرامته.
فقد يصبر الإنسان حفاظًا على بيته، وقد يتجاوز حرصًا على عمله، وقد يصمت احترامًا للعِشرة، وقد يمنح فرصة جديدة إيمانًا منه بأن النفوس يمكن أن تتغير.
لكن كل ذلك لا يعني أنه تنازل عن حقه، أو أنه نسي ما تعرض له، أو أنه سيظل يقبل الإساءة مهما تكررت.
هناك فرق كبير بين من يختار الصبر لأنه قوي، ومن يصمت لأنه عاجز، وبين من يسامح لأنه نبيل، ومن يتنازل لأنه لا يملك خيارًا آخر.
ولذلك، فإن أرقى أشكال القوة أن يعرف الإنسان قدر نفسه، وأن يحفظ كرامته، وأن يطالب بحقه دون أن يعتدي على حقوق غيره، وألا يسمح لمن يتلذذون بإيذاء البشر بأن يغيروا مبادئه أو ينتزعوا منه إنسانيته.
فالحياة أقصر من أن تُهدر في الانتقام، وأغلى من أن تُعاش تحت وطأة الخوف، والكرامة أثمن من أن تُشترى بالصمت الدائم عن الظلم.
فلا تظنوا أن كل من صمت قد استسلم، ولا أن كل من ابتسم قد نسي، ولا أن كل من سامح قد تنازل عن حقه.
فبعض الناس يمنحون الآخرين فرصًا كثيرة، لكنهم حين يقررون وضع حد للتجاوزات، يفعلون ذلك بوعي وهدوء، مستندين إلى الحقيقة، ومتمسكين بالقانون، ومحافظين على كرامتهم.
وفي النهاية، ستبقى حقيقة واحدة لا تتغير:
قد تمنحك السلطة القدرة على إيذاء الآخرين، لكنها لن تمنحك الحق في ظلمهم.. وقد يطول صبر المظلوم، لكن صبره لا يجعل الظلم عدلًا، ولا يجعل الباطل حقًا.












