أخبار مصر

التعاون الثقافي بين مصر والصين.. 70 عامًا من الحوار الحضاري والتبادل المعرفي

كتبت – شهد طه

من دار الأوبرا المصرية إلى المتحف المصري الكبير، ومن احتفالات عيد الربيع إلى مسابقات اللغة الصينية وأسابيع الأفلام، شهد التعاون الثقافي بين مصر والصين خلال عام 2026 نشاطًا متزايدًا، بالتزامن مع الاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في وقت تتسع فيه مجالات التبادل لتشمل التعليم والفنون والإعلام والتراث والسياحة والشباب.

وتعود العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين إلى 30 مايو 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، قبل أن ترتقي العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، لتتوسع مجالات التعاون بين البلدين إلى قطاعات سياسية واقتصادية وتعليمية وعلمية وثقافية وسياحية.

وفي إطار الاحتفال بالذكرى السبعين، شهد عام 2026 فعاليات ركزت على مفهوم الحوار بين الحضارات، من بينها احتفاليات فنية ولقاءات أكاديمية ناقشت أوجه التشابه بين الحضارتين المصرية والصينية، وسبل تعزيز التعاون في مجالات التراث والمتاحف والتبادل الثقافي.

كما استضاف المتحف المصري الكبير فعالية بمناسبة عيد الربيع الصيني، تحت رعاية وزارة السياحة والآثار وبالتعاون مع السفارة الصينية ومجموعة الصين للإعلام، في فعالية جمعت بين التعريف بالثقافة الصينية والترويج للحضارة المصرية.

يعد تعليم اللغة الصينية أحد أبرز مسارات التبادل الثقافي بين البلدين، من خلال معاهد كونفوشيوس في عدد من الجامعات المصرية، والتي توفر برامج لتعليم اللغة واختبارات الكفاءة الدولية، إلى جانب دعم فرص التبادل الأكاديمي والمنح الدراسية.

وتحولت مسابقة «جسر اللغة الصينية» إلى إحدى أبرز المنصات التي تربط الطلاب المصريين باللغة والثقافة الصينية، وشهد عام 2026 مشاركة طلاب مصريين في مراحلها المختلفة، وصولًا إلى تتويج الطالبة شدا محمد ماهر، من معهد كونفوشيوس بجامعة عين شمس، بالمركز الأول في التصفيات النهائية للمسابقة، التي أقيمت في مدينة شيامن الصينية.

كما شهدت الجامعات المصرية فعاليات مرتبطة باللغة والثقافة الصينية، من بينها احتفالات «يوم الثقافة الصينية» وعيد الربيع، بما أتاح للطلاب التعرف إلى الفنون والعادات والتقاليد الصينية إلى جانب دراسة اللغة.

وفي هذا السياق، قال الدكتور ناصر مندور، رئيس جامعة قناة السويس، إن فعاليات الثقافة الصينية تمثل جسرًا للتواصل العلمي والثقافي بين الشعبين، وتفتح آفاقًا أمام الطلاب والباحثين لتبادل الخبرات والمعرفة.

لم يقتصر التعاون الثقافي على المؤتمرات واللقاءات الرسمية، وإنما امتد إلى الفعاليات الجماهيرية، وكان عيد الربيع الصيني من أبرز المناسبات التي ظهرت خلالها الثقافة الصينية أمام الجمهور المصري.

وشهدت القاهرة خلال فبراير فعاليات متنوعة احتفالًا بعيد الربيع، تضمنت عروضًا فنية وأنشطة تفاعلية فيما استضاف المتحف المصري الكبير إحدى الفعاليات بالتعاون مع السفارة الصينية ومجموعة الصين للإعلام وتحت رعاية وزارة السياحة والآثار.

كما امتد التعاون إلى السينما مع إقامة أسبوع للفيلم الصيني في القاهرة تضمن عرض مجموعة من الأفلام الصينية أمام الجمهور المصري إلى جانب تحركات لتوسيع التعاون بين مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجانات سينمائية صينية.

وفي هذا الإطار شهد التعاون السينمائي خطوات مؤسسية من بينها اتفاقية  بين مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان هاينان السينمائي الدولي، إلى جانب بحث توسيع التعاون الإعلامي مع مجموعة الصين للإعلام، بما يفتح المجال أمام مزيد من تبادل الأفلام والوفود والخبرات السينمائية.

ولا يقتصر هذا المسار على تعريف الجمهور المصري بالسينما الصينية، إذ يطرح في الاتجاه الآخر فرصًا أمام الإنتاج المصري للوصول إلى الجمهور الصيني من خلال المهرجانات والمعارض والمنصات الإعلامية.

لا يسير التبادل الثقافي في اتجاه واحد، إذ شهدت الصين بدورها فعاليات ومشروعات للتعريف بالحضارة المصرية، كان من أبرزها معرض «قمة الهرم: حضارة مصر القديمة» في متحف شنغهاي.

واستقبل المعرض نحو 2.7 مليون زائر خلال فترة عرضه، ليقدم نموذجًا لقدرة التراث المصري على الوصول إلى جمهور صيني واسع عندما تتوافر له منصات ثقافية كبرى.

ويكشف هذا النموذج عن أهمية تنويع أدوات التبادل الثقافي، بحيث لا تقتصر على الاحتفالات والمهرجانات، وإنما تمتد إلى المعارض والمتاحف والسينما والترجمة والمحتوى الرقمي.

يتقاطع التعاون الثقافي مع الإعلام بصورة متزايدة، مع توسع الاهتمام بتبادل المحتوى والخبرات بين المؤسسات المصرية والصينية.

وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة في ظل تغير أنماط استهلاك الجمهور للمحتوى، وانتقال جانب كبير من التفاعل الثقافي إلى المنصات الرقمية، ما يجعل الأفلام الوثائقية والبرامج والمحتوى القصير أدوات مؤثرة في التعريف بالمجتمعات والثقافات.

ويظهر هذا الاتجاه أيضًا في التعاون بين المؤسسات الإعلامية والسينمائية وفي المشروعات التي تجمع بين الإعلام والثقافة ، بما يسمح بانتقال العلاقة من مجرد نقل الأخبار إلى صناعة محتوى يقدم صورة أكثر عمقًا عن المجتمع الآخر.

يمثل التراث أحد أبرز عناصر القوة الثقافية المصرية في علاقتها مع الصين، خاصة في ظل أهمية السوق الصينية بالنسبة للسياحة المصرية.

وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور أحمد يوسف الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي،

 أهمية السوق الصينية بالنسبة للمقصد السياحي المصري، مشيرًا إلى جهود الترويج للمقصد المصري وتنظيم قوافل سياحية في عدد من المدن الصينية.

وتتقاطع السياحة مع الثقافة في هذا المسار ، إذ لا يقتصر التعريف بمصر على المواقع الأثرية، وإنما يمتد إلى الحضارة المصرية القديمة والمتاحف والفنون والموروث الثقافي، وهو ما يجعل السياحة إحدى القنوات العملية لنقل الثقافة المصرية إلى الجمهور الصيني.

تمثل الترجمة إحدى الأدوات الأساسية لاستمرار التبادل الثقافي، لأنها تتيح انتقال الأدب والفكر والتجارب الإنسانية بين العربية والصينية خارج نطاق الفعاليات المؤقتة.

وشهد التعاون بين المؤسسات الثقافية ودور النشر في البلدين مشروعات تهدف إلى ترجمة الأعمال الأدبية والفكرية، إلى جانب لقاءات وورش مرتبطة بالكتاب والثقافة الصينية في مصر.

ويمثل توسيع حركة الترجمة في الاتجاهين أحد المسارات التي يمكن أن تدعم حضور الثقافة المصرية في الصين والثقافة الصينية في مصر، خاصة في ظل الحاجز اللغوي واختلاف السياقات الثقافية.

الآثار.. تعاون علمي بين حضارتين

ويمتد التعاون إلى العمل الأثري والبحث العلمي، إذ شاركت بعثات مصرية وصينية في أعمال بحثية وأثرية مشتركة، بما أتاح تبادل الخبرات في دراسة المواقع وصون التراث.

كما شكلت المنتديات واللقاءات التي جمعت الباحثين والمتخصصين من البلدين مساحة لمناقشة إدارة المتاحف والمواقع الأثرية وسبل الاستفادة من التجارب المختلفة في حماية التراث وإتاحته للجمهور.

رغم اتساع خريطة التعاون الثقافي بين مصر والصين، فإن نجاح الشراكة لا يقاس فقط بعدد المهرجانات والمعارض والاحتفاليات التي تقام خلال عام الذكرى السبعين، وإنما بقدرتها على إنتاج تعاون مستمر يصل إلى الجمهور ويترك أثرًا طويل المدى.

ويظل التوازن في التبادل الثقافي أحد أبرز الملفات المطروحة؛ فالحضور الصيني في مصر أصبح واضحًا من خلال تعليم اللغة والمهرجانات والفعاليات السينمائية والجامعية، بينما تكشف تجربة معرض «قمة الهرم» في شنغهاي عن وجود قدرة كبيرة للثقافة المصرية على الوصول إلى الجمهور الصيني، لكنها تحتاج إلى مزيد من القنوات المنتظمة والمشروعات المستمرة.

كما يمثل الحاجز اللغوي واختلاف البيئات الثقافية والإعلامية تحديًا أمام انتشار الأعمال الفنية والأدبية في الاتجاهين ، فنجاح عمل في بيئته الأصلية لا يضمن بالضرورة نجاحه في مجتمع مختلف، وهو ما يجعل الترجمة والدبلجة والتسويق الثقافي والتوزيع الرقمي عوامل مهمة في نجاح التبادل.

ويضاف إلى ذلك تحدي الاستمرارية إذ تمنح المناسبات الكبرى، مثل الذكرى السبعين دفعة قوية للعلاقات الثقافية، لكن الحفاظ على هذه القوة يتطلب برامج طويلة الأجل في الجامعات والمتاحف والمؤسسات الإعلامية، إلى جانب زيادة فرص التبادل الطلابي والفني والإنتاج المشترك.

كما أن توسيع دائرة المشاركة لتشمل الشباب والفنانين والكتاب وصناع المحتوى يمكن أن يجعل التعاون أكثر قربًا من الجمهور، بدلًا من بقائه محصورًا في المؤسسات الرسمية والفعاليات الدبلوماسية.

70 عامًا.. ماذا بعد الاحتفال؟

تكشف خريطة التعاون الثقافي المصري الصيني في 2026 عن انتقال العلاقة من مجرد التبادل الرسمي إلى شبكة أوسع تشمل اللغة والتعليم والمهرجانات والسينما والإعلام والتراث والسياحة والشباب.

لكن الذكرى السبعين تطرح في الوقت نفسه سؤالًا يتجاوز الاحتفال: هل تستطيع القاهرة وبكين تحويل هذا الزخم إلى شراكة ثقافية متوازنة ومستدامة؟

يتوقف ذلك على قدرة البلدين على الانتقال من تبادل الفعاليات إلى بناء مشروعات مشتركة طويلة الأجل، تدعم الترجمة والإنتاج الفني والسينمائي والتبادل الأكاديمي، وتستفيد من المنصات الرقمية للوصول إلى جمهور أوسع.

وبعد سبعة عقود من العلاقات الدبلوماسية ، تبدو الثقافة أمام فرصة للانتقال من مجرد الاحتفاء بإرث حضارتين عريقتين إلى بناء مساحة مستمرة للحوار بين الشعبين، يكون فيها التبادل متبادلًا، ومستدامًا، وقادرًا على الوصول إلى الجمهور خارج المناسبات الرسمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock