
بقلم / جمال عبد الصمد
بين طيات الواقع الاقتصادي الذي يعج بتحديات البطالة وفجوة المهارات، تبرز أحياناً ومضات أمل قادرة على إعادة صياغة المفاهيم وتحريك المياه الراكدة، فمشكلة الحصول على وظيفة ملائمة لم تعد تقتصر على ندرة الشواغر فحسب، بل امتدت لتشمل عدة أبعاد معقدة، أبرزها نقص الخبرة العملية للحديثين في التخرج، وعدم توافق المهارات الأكاديمية مع متطلبات السوق، وغياب التوجيه المهني الدقيق، وفي ظل هذه التحديات، تأتي المبادرات الوطنية والمجتمعية كطوق نجاة يقدم حلولاً عملية على أرض الواقع، ومن أبرز هذه النماذج الملهمة تأتي مبادرة ” إنزل اشتغل” .
لا تقف أزمة الباحثين عن عمل عند الجانب الاقتصادي، بل تمتد للجانب النفسي والثقافي المرتبط بنظرة المجتمع للعمل، وهنا تكمن العبقرية الحقيقية للمبادرة، فهي لا تطرح مجرد حلول رقمية، بل تخاطب وعي الشاب المصري مباشرة، داعية إياه إلى التخلي عن عقلية الانتظار والاتكال، حيث تستهدف المبادرة بشكل واسع كافة الفئات المجتمعية، من خريجي الجامعات والتعليم الفني والتكنولوجي، وصولاً إلى العمالة الحرفية وذوي الهمم، وترتكز على قاعدة ذهبية مفادها أن العمل شرف وقيمة، وأن سوق العمل يحتاج إلى كل يد ماهرة وعقل قادر على الإنتاج، المبادرة ساهمت الشباب على كسر حاجز الخوف والتردد للبدء في أي مجال متاح يمكنهم من إثبات أنفسهم وتطوير قدراتهم .
إن ما يميّز تجربة ” إنزل اشتغل ” هو انتقالها السريع والفعال من حيز التنظير إلى ميادين العمل، فقد شهدت الفترة الأخيرة إطلاق ملتقيات توظيفية كبرى مثل تلك التي أُقيمت في الإسكندرية تحت رعاية وقيادة محافظها النشيط المهندس أيمن عطية، منذ توليه مهامه بالمحافظة وهو يحمل على عاتقه حل الكثير من الملفات الصعبة بأفكار غير تقليدية، حيث شارك في مبادرة ” إنزل اشتغل ” عشرات المصانع والشركات، مع إتاحة آلاف فرص العمل ومسارات التدريب الميداني في تخصصات ومهن متنوعة منها : ” الشاب الطموح الباحث عن الأداة والفرصة، والمؤسسة الإنتاجية التي تبحث عن الكفاءة والمهارة، الدولة الساعية لخفض معدلات البطالة وتعزيز عجلة الإنتاج ” .
لا يمكن لأي مبادرة وطنية بهذا الحجم أن تحقق انتشارها المنشود بمعزل عن دور الإعلام، وفي هذا السياق، لعبت قنوات ماسبيرو والإعلام الوطني دوراً محورياً عبر تقديم بروموهات وتغطيات متميزة تخاطب كل بيت مصري، حيث إن وصول رسالة المبادرة إلى شاب حائر يجلس في منزله ولا يعرف من أين يبدأ، أو إلى أسرة تبحث عن مستقبل آمن لأبنائها، يحول الشاشة التلفزيونية إلى أداة تغيير حقيقية تزرع الوعي بأن التدريب والمهارة هما طريق المستقبل .
وراء كل نجاح عظيم عقول مؤمنة وإرادات لا تعرف الكلل، وهنا يبرز اسم الأستاذ والإعلامي الكبير مصطفى ياسين، مؤسس المبادرة وصاحب الفكرة وأحد رجال التعليم الفني الوطنيين الذين آمنوا بأن العمل الجاد بصمت هو أقصر الطرق لقلوب الناس، إن جهوده المستمرة في ملاحقة الفكرة ونشر رسالتها، والدفع بها إلى آفاق أوسع بعيداً عن صخب الأضواء، تعكس نموذجاً للمثابرة الفردية التي تحولت إلى طاقة جماعية تصنع الفارق الحقيقي في حياة الآلاف .
تؤكد تجربة ” إنزل اشتغل” أهمية التنوع في التفكير عند إطلاق المبادرات القومية والمجتمعية، فلم تعد الأساليب التقليدية كافية لمواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة باستمرار، بل أصبح الابتكار في إيجاد حلول غير تقليدية، ودعم المبادرات الشبابية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص والإعلام، ركيزة أساسية لبناء اقتصاد قوي ومرن، فتكامل الأفكار المتباينة يساعد المجتمع على امتصاص الأزمات وتحويلها إلى فرص حقيقية للنمو والازدهار .
ختاماً، تُعلمنا تجربة “إنزل اشتغل” أن البدايات الناجحة لا تتطلب ظروفاً مثالية، بل تتطلب إرادة للبدء والتطوير المستمر، إن الدول لا تُبنى بالشهادات النظرية وحدها، بل بالعقول التي تفكر، والأيدي التي تنتج، والمهارات التي تتحول إلى قيمة مضافة، ويبقى النداء الأخير لكل شاب: لا تنتظر الفرصة لتأتي إليك، إنزل، تدرب، واشتغل، فخطوتك الأولى هي بداية قصة نجاحك.












