
بقلم : بدر صابر بدر
لم يعد قطاع الخدمات الحكومية اليوم مُطالَبًا فقط بالاستجابة لاحتياجات المواطنين، بل بات مُطالَبًا باستشراف هذه الاحتياجات قبل أن تتحول إلى شكاوى وبموازنة هذا الاستشراف مع مسؤولية أعمق تجاه الموارد والبيئةومن هذا الإدراك انطلقت إدارة خدمة العملاء بشركة مياه الشرب بالإسكندرية في رحلة تحوّل ممتدة بدأت بحلول استباقية لخدمة أسرع وأكثر إنصافًا وتتوج اليوم برؤية أشمل: الاستدامة الذكية، حيث تتكامل الكفاءة التشغيلية مع الأثر البيئي والاجتماعي في منظومة واحدة.
أولًا: من رد الفعل إلى الاستباقية
انطلقت مسيرة التطوير بإعادة صياغة جوهر الشراكة مع العميل، وذلك عبر الارتقاء بالإدارة العامة لخدمة العملاء لتتحول إلى الإدارة العامة لتجربة العملاء ويُمثل هذا التحول نقلة نوعية في الفكر الإداري؛ حيث انتقلنا من مجرد التعامل التقليدي ورد الفعل تجاه الشكاوى بعد حدوثها، إلى نهج استباقي يركز على معالجة جذور المشكلة ويتحقق ذلك من خلال التحليل العميق لآلاف الاستبيانات ورصد أنماط القصور المتكررة لمعالجتها فوراً قبل تفاقمها.
وتزامنًا مع هذا التطور، تم إطلاق نظام آلي متطور لمتابعة الشكاوى عبر تطبيقات المراسلة الفورية مما ساهم في تقليص وقت الاستجابة بشكل ملحوظ ووفر للعميل نافذة شفافة ومباشرة لتتبع حالة طلبه لحظة بلحظة.
واستكمالاً لهذه الرؤية، تم تفعيل “منظومة الردود الموحدة” داخل فروع تقديم الخدمة وجاء هذا القرار استجابةً لدراسة دقيقة لأنماط الطلبات الفعلية لدى مختلف شرائح العملاء ليعكس قدرة المؤسسة على قراءة السلوكيات وتلبيتها استباقياً قبل أن تتحول إلى شكاوى وتستند هذه الخطوة إلى هيكل حوكمة مؤسسي منضبط وأطر تعويض شفافة، مما يضمن تقديم خدمة عادلة ومستدامة للجميع.
ثانيًا: التمكين الرقمي كأداة استباقية
لم تكن الاستباقية لتكتمل دون بنية رقمية متطورة تدعمها حيث جرى ربط الأهداف الاستراتيجية للشركة بالأداء اليومي لكل موظف خدمة عملاء بما يحوّل القياس والتقييم من مجرد أداة رقابية إلى آلية استشراف مبكر لنقاط التحسين وتطوير الأداء كما نُظّمت فعالية ابتكارية داخلية عبر ورش عمل متخصصة جمعت العاملين من مختلف المستويات الإدارية لتوليد حلول رقمية وتشغيلية لتحديات حقيقية تواجه العملاء في نموذج يؤكد أن الاستباقية ليست قرارًا يُتخذ من القمة فحسب، بل ثقافة تُبنى بمشاركة الجميع.
ثالثًا: من الاستباقية إلى الاستدامة الذكية
شكلت هذه الإنجازات الميدانية قاعدة راسخة انطلقت منها الإدارة نحو مستوى أكثر نضجًا يربط الرقمنة مباشرة بالأثر البيئي وتجسد ذلك في إطلاق مبادرة “بصمتك الكربونية” التي تحول الانتقال من المعاملات الورقية التقليدية إلى الخدمات الرقمية إلى قيمة بيئية ملموسة حيث يدرك العميل أن كل فاتورة أو إجراء إلكتروني هو مساهمة فعلية في تقليل الانبعاثات الكربونية وحماية الموارد وبذلك، تجاوزت الرقمنة مفهومها التشغيلي المجرد لتصبح أداة استدامة يشارك فيها المواطن بوعي ليتحول من مجرد مستفيد إلى شريك أصيل في صناعة الأثر.
وهذا تمامًا ما نطلق عليه “الاستدامة الذكية” استدامة لا تُملى بفوقية، بل تنشأ من تراكم قرارات استباقية واعية في توقيتها وقنواتها وبياناتها لتصب جميعها في رؤية طويلة الأمد توازن بين إسعاد العميل وكفاءة الموارد والمسؤولية البيئية .
خاتمة: نموذج قابل للتكرار
تقدّم تجربة إدارة خدمة العملاء بشركة مياه الشرب بالإسكندرية نموذجًا عمليًا على أن التميز الحكومي لا يُقاس بحجم المبادرات فقط بل بمدى ترابطها وتراكمها في اتجاه استراتيجي واحد فمن حلول استباقية أعادت تعريف علاقة العميل بالخدمة إلى بنية رقمية مكّنت القياس والابتكار وصولًا إلى استدامة ذكية تربط كل تحسين تشغيلي بأثره البيئي والمجتمعي ترسم هذه الرحلة ملامح نموذج مؤسسي يستحق أن يُحتذى ويؤكد أن الطريق إلى التميز يبدأ دائمًا من إعادة النظر في السؤال الأهم: كيف نخدم المواطن اليوم بما يحفظ حقه في غدٍ أكثر استدامة؟












