
أكدت خبيرة التغذية بسمة الجنايني، أن الأسرة العربية تمر اليوم بمرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتسارعة التي يشهدها العالم، مشيرة إلى أن الحفاظ على تماسك الأسرة لم يعد قضية اجتماعية فقط، بل أصبح قضية أمن واستقرار مجتمعي تمس حاضر الدول ومستقبلها.
وقالت: بمناسبة اليوم العالمي للأسرة، إن الأسرة كانت عبر التاريخ المؤسسة القاعدية التي تشكلت على أساسها مختلف البنى الاجتماعية والسياسية، معتبرة أن أي خلل يصيب الأسرة ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المجتمع بأكمله.
وأضافت “الجنايني” أن العالم المعاصر، بما يحمله من عولمة متسارعة وتحولات رقمية واسعة، فرض أنماطًا جديدة من العلاقات الإنسانية أثرت بشكل عميق على بنية الأسرة التقليدية، وأسهمت في تصاعد مظاهر التفكك الأسري وأزمة التواصل داخل البيت الواحد، موضحة أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم ما وفرته من إمكانات تقنية هائلة، تحولت في كثير من الأحيان إلى مصدر للعزلة النفسية والاجتماعية، وإلى نافذة تتسرب عبرها أنماط متعددة من العنف الثقافي والسلوكي.
وأشارت إلى أن أزمة الأسرة لا يمكن اختزالها في بعدها الأخلاقي أو الثقافي فقط، بل ترتبط بصورة وثيقة بالأوضاع الاقتصادية الضاغطة التي تعيشها غالبية الأسر، موضحة أن ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة توفير تعليم جيد للأطفال وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، كلها عوامل ساهمت في زيادة الضغوط النفسية والاجتماعية داخل الأسرة العربية.
وأكدت على أن ملف التعليم يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الأسرة حاليًا، في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف التعليم الخاص، وتراجع جودة التعليم الحكومي، وتحول العملية التعليمية في بعض الأحيان إلى مجال للاستثمار التجاري، وهو ما يضع الأسرة أمام أعباء متزايدة قد تفوق قدرتها الاقتصادية.
كما حذرت من تنامي بعض الظواهر السلبية داخل الفضاء المدرسي ومحيطه، مثل تراجع سلطة المدرسة والمدرس، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس حجم الأزمة القيمية والاجتماعية التي تعيشها المجتمعات الحديثة، وليس المجتمعات العربية فقط.
وفي سياق متصل، أوضحت أن إرتفاع نسب الطلاق في عدد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة يؤكد وجود أزمة حقيقية تواجه مؤسسة الأسرة، لافتة إلى أن هذه الأزمة ليست محلية أو مرتبطة بثقافة معينة، بل هي ظاهرة عالمية تعاني منها حتى المجتمعات الغربية التي تواجه بدورها تحديات متزايدة تتعلق بالعنف الأسري والعنف ضد المرأة والتفكك الاجتماعي.
وشددت خبيرة التغذية على أهمية إعادة قراءة تجربة الأسرة العربية التقليدية بصورة أكثر توازنًا وموضوعية، مؤكدة أن الأسرة الممتدة أو “الأسرة العنقودية” كانت تمتلك، رغم بعض سلبياتها المرتبطة بالسلطة الأبوية والوصاية، منظومة قوية من التضامن والتكافل الاجتماعي، ساعدت الأفراد على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بصورة أكثر صلابة.
وأضافت أن التحولات الحديثة دفعت باتجاه الأسرة الذرية الصغيرة، التي أصبحت أكثر هشاشة في مواجهة ضغوط الحياة، سواء فيما يتعلق بتربية الأطفال أو تحمل الأعباء الاقتصادية أو مواجهة الأزمات النفسية والاجتماعية، مؤكدة أن استعادة قيم التضامن العائلي لا تعني العودة إلى الأشكال التقليدية المتصلبة، وإنما تعني البحث عن نموذج معاصر يوازن بين الحرية الفردية والتكافل الاجتماعي.
كما أكدت الجنايني على أن الحديث عن استقرار الأسرة لا ينفصل عن ملف التغذية والصحة العامة، مشيرة إلى أن الضغوط الاقتصادية والنفسية المتزايدة دفعت كثيرًا من الأسر إلى تبني عادات غذائية غير صحية، سواء بسبب الاعتماد على الوجبات السريعة منخفضة القيمة الغذائية أو نتيجة غياب الثقافة الغذائية السليمة داخل المنزل، موضحة أن التغذية المتوازنة أصبحت ضرورة أساسية للحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية لأفراد الأسرة، خاصة الأطفال والمراهقين، لما لها من تأثير مباشر على المناعة والتركيز والتحصيل الدراسي والاستقرار النفسي، فضلًا عن دورها في الوقاية من الأمراض المزمنة مثل السمنة والسكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم.
وأضافت أن بناء أسرة صحية يبدأ من ترسيخ ثقافة غذائية سليمة داخل البيت، تقوم على تنظيم الوجبات اليومية والاعتماد على الطعام المنزلي الطازج وتقليل استهلاك المنتجات المصنعة والمشروبات الغازية، إلى جانب تشجيع الأطفال على تناول الخضروات والفواكه وممارسة النشاط البدني بشكل منتظم، مشددة على أهمية أن تتحول مائدة الطعام إلى مساحة للحوار والتواصل الإنساني بين أفراد الأسرة، معتبرة أن تناول الطعام بصورة جماعية يعزز الروابط النفسية والاجتماعية، ويسهم في خلق بيئة أكثر استقرارًا ودفئًا في مواجهة الضغوط والتحديات التي تفرضها الحياة المعاصرة.
ودعت إلى تعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة، وإحياء قيم التآزر والدعم المتبادل، إلى جانب إعادة الاعتبار لدور العائلة الكبرى بصورة عقلانية تحترم خصوصية الأفراد واستقلاليتهم، معتبرة أن وجود مرجعية أسرية حكيمة أو مجلس عائلي قادر على إحتواء الخلافات قد يسهم في الحد من كثير من الأزمات الاجتماعية المتفاقمة.
في ختام تصريحها أكدت على أن المجتمعات العربية تحتاج اليوم إلى مراجعة نقدية متوازنة، لا تقوم على الرفض المطلق للتراث ولا على القبول الأعمى بالنماذج الوافدة، مشددة على أن بناء أسرة متماسكة وقادرة على التكيف مع متغيرات العصر يمثل أحد أهم شروط الحفاظ على استقرار المجتمع وحماية الأجيال القادمة من التفكك والضياع.






