
بقلم: محمود الجندي
هناك مواقف في الحياة لا تحتاج إلى رد، وأشخاص لا تستحق أن تستنزف من أجلهم مشاعرك، ومعارك لا يكون الانتصار فيها بالكلام، بل بالقدرة على الصمت، والتعالي عن الصغائر، وترك الأمر لمن لا تخفى عليه خافية.
تركناهم لله…
تركناهم لله، أولئك الذين ألبسونا من سوء ظنونهم ما لم نرتكب، ونسبوا إلينا من الأفعال ما لم نفعل، وقالوا فينا ما ليس فينا، وشوّهوا صورتنا في عيون الآخرين، دون أن يمنحوا أنفسهم فرصة واحدة للتحقق من الحقيقة.
تركناهم لله، أولئك الذين أوهمتهم أنفسهم أن ظنونهم حقائق، وأن شكوكهم أدلة، وأن ما يدور في عقولهم عن الآخرين لا بد أن يكون صحيحًا. فاستبدلوا حسن الظن بسوئه، والتحقق بالتسرع، والإنصاف بالأحكام الجائرة، حتى أصبحت أوهامهم في أعينهم يقينًا لا يقبل النقاش.
تركناهم لله، أولئك الذين أساؤوا إلينا، وعابوا علينا ما ليس فينا، وأنكروا فضلنا، وجحدوا مواقفنا، ونسوا كل ما قدمناه، وكأن الخير الذي صنعناه معهم لم يكن يومًا.
تركناهم لله، أولئك الذين جرحوا القلوب، وكسروا الخواطر، واتهموا بغير دليل، وبهتوا بغير حق، وظلموا دون أن يخشوا عاقبة الظلم، وشهّروا بنا، وحرّفوا الحقائق، وأوغلوا في الأذى، وكأن إيذاء الآخرين انتصار، وكأن تشويه سمعة إنسان يرفع من شأن من يشوّهه.
لكنهم لم يدركوا أن الإساءة لا تجعل صاحبها قويًا، وأن تشويه الآخرين لا يمنح صاحبه قيمة، وأن الكلمة الجارحة قد تُنسى مع مرور الأيام، لكن أثرها يظل شاهدًا على قسوة قائلها، وعلى ما يحمله قلبه من سوء.
تركناهم لله، لا ضعفًا ولا عجزًا، ولكن لأننا أدركنا أن بعض المعارك خسارتها الحقيقية أن نخوضها، وأن بعض الردود تمنح الآخرين مكانة لا يستحقونها.
تركناهم لله، ترفعًا عن الخصومة، وزهدًا في الجدال، وثقةً بأن للحق ربًا يحميه، وللظلم نهاية، وللأيام قدرة عجيبة على كشف ما أخفته الوجوه، وما سترته الكلمات، وما حاولت الألسنة تزويره.
فليس كل صامت عاجزًا عن الرد، وليس كل من آثر الابتعاد مهزومًا، وليس كل من ترك حقه في أيدي الناس قد تنازل عنه عند الله.
هناك من يصمت لأنه يعرف نفسه جيدًا، وهناك من يبتعد لأنه لا يريد أن يشبه من أساء إليه، وهناك من يترك الأيام تمضي لأنه يؤمن بأن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج دائم حتى تظهر.
ولعل أصعب ما يواجه الإنسان النقي أن يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن حقيقة يعرفها جيدًا، أمام أشخاص قرروا مسبقًا ألا يصدقوه، وأن يشرح نواياه لمن أساء تفسيرها عمدًا، وأن يبرر مواقفه لمن لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عما يؤكد ظنونه.
لكننا نتعلم مع مرور العمر أن راحة البال أغلى من كسب كل جدال، وأن سلام النفس أهم من إقناع كل إنسان، وأن محاولة تبرئة أنفسنا أمام من أغلق قلبه عن الحقيقة قد تتحول إلى رحلة لا تنتهي من الاستنزاف والتعب.
فليس مطلوبًا منك أن تشرح نفسك لكل من أساء فهمك، ولا أن ترد على كل من أساء إليك، ولا أن تطرق كل باب لتثبت أنك لم تخطئ.
يكفي أن تكون صادقًا مع الله، واضحًا مع نفسك، وألا تظلم أحدًا كما ظلمك، أو تجرح قلبًا كما جُرح قلبك، أو ترد الإساءة بإساءة تشبهها.
فأنت لا تحتاج إلى أن تتحول إلى نسخة ممن آذوك حتى تثبت أنك أقوى منهم.
والأجمل من الانتصار على من ظلمك، ألا تسمح لظلمه أن يغيّر قلبك، أو يسلبك طيبتك، أو يحوّل نقاءك إلى قسوة، أو يجعلك تشك في كل من حولك.
احتفظ بنقائك، لكن لا تمنح ثقتك بلا حساب. سامح إن استطعت، وابتعد إن لزم الأمر، وضع حدودًا تحفظ كرامتك، فالعفو لا يعني قبول تكرار الأذى، والتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق، والهدوء لا يعني الرضا بالظلم.
أما أولئك الذين ظنوا أن صمتنا اعتراف، وأن ابتعادنا هزيمة، وأن عدم ردنا دليل ضعف، فنقول لهم: لقد أخطأتم فهم الصمت كما أخطأتم فهم الحقيقة.
فنحن لم نصمت لأننا لا نملك ما نقوله، ولكن لأننا لا نريد أن نخسر أنفسنا في معارك لا تليق بنا.
تركناهم لله، وهو أعلم بنا من أنفسنا، وأعلم بما تخفي الصدور، وأقرب إلى حقيقة ما نحمله في قلوبنا من كل ظنٍ سيئ نسجه الآخرون عنا.
تركناهم لله، الذي لا تخفى عليه دمعة خرجت من عين مظلوم، ولا وجع استقر في قلب مكسور، ولا كلمة قيلت في غياب صاحبها، ولا حقيقة حاول أحد أن يدفنها تحت ركام الأكاذيب.
ولسنا ممن يطلبون الانتقام، ولا ممن ينتظرون سقوط الآخرين حتى يشعروا بالانتصار؛ كل ما نريده أن نعيش بسلام، وأن نحتفظ بكرامتنا، وأن نترك لكل إنسان اختياراته، ولكل فعل عاقبته، ولكل مظلوم حقه عند من لا يضيع عنده حق.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
وهذه الآية ليست دعوة إلى الشماتة، بل تذكير بأن الظلم لا يضيع، وأن تأخر الإنصاف لا يعني غيابه، وأن الإنسان قد يعجز عن إثبات الحقيقة أمام الناس، لكنه لا يعجز عن رفع مظلمته إلى رب الناس.
وفي نهاية المطاف، ستدرك أن بعض الأشخاص الذين أوجعوك كانوا درسًا قاسيًا في الحياة، وأن بعض المواقف التي كسرت قلبك أعادت ترتيب أولوياتك، وأن بعض الخذلان علّمك كيف تختار من تمنحه قلبك، ومن تسمح له بالاقتراب من حياتك.
ستدرك أن قيمتك لا يحددها رأي شخص فيك، وأن حقيقتك لا تتغير لأن أحدهم أساء وصفك، وأن من يعرفك بصدق لن يحتاج إلى مرافعة طويلة حتى يفهمك، ومن قرر أن يسيء الظن بك لن تكفيه ألف حجة حتى ينصفك.
لذلك، لا تحمل في قلبك أكثر مما يحتمل، ولا تجعل إساءة الآخرين تسكن أيامك، ولا تنشغل طويلًا بمن اختاروا أن يروك بعيون ظنونهم، لا بحقيقة أفعالك.
امضِ في طريقك، وافعل الخير ما استطعت، واحفظ كرامتك، ولا تندم على معروف قدمته، ولا على قلب كان صادقًا، ولا على موقف نبيل اتخذته، حتى لو قابله الآخرون بالجحود.
فأنت مسؤول عن نيتك وأفعالك، ولست مسؤولًا عن الأوهام التي يصنعها الآخرون في عقولهم.
وفي النهاية…
تركناهم لله، لأن الله أعلم بالحقيقة، وأعدل في الحكم، وأرحم بقلوب أنهكها الظلم.
تركناهم لله، لا لأننا نسينا ما فعلوه، ولكن لأننا لا نريد أن نعيش أسرى لما فعلوه.
تركناهم لله، لا لأن جراحنا لم تؤلمنا، ولكن لأننا نؤمن بأن الشفاء لا يأتي من الانتقام، وأن راحة القلب لا تُشترى بكثرة الخصومات.
تركناهم لله، وسنمضي في حياتنا بقلوب لا تحمل الحقد، ونفوس لا تنشغل بالانتقام، وأرواح تؤمن بأن الحق لا يموت، وإن طال انتظاره.
فحين تعجز عن رد الظلم، ارفع أمرك إلى الله، وحين تُساء الظنون بك، لا تجعلها تُفسد ظنك بربك، وحين لا ينصفك الناس، تذكّر أن عدل الله لا يحتاج إلى شهادة زور، ولا إلى تزييف حقيقة، ولا إلى صوت مرتفع.
يكفي أن الله يعلم… وهذه وحدها طمأنينة لا يمنحها أحد، ولا يستطيع أحد أن ينتزعها منك.








