
كتبت _ ندى علاء
لم يكن إسماعيل ياسين مجرد فنان أجاد صناعة الضحكة، بل كان حكاية إنسانية كاملة، اختبأت خلف ملامحه الكوميدية سنوات طويلة من الألم والكفاح والانكسارات، وفي كل مرة كان يضحك فيها الجمهور، كانت هناك سيرة رجل عرف الحزن مبكرًا، لكنه اختار أن يصنع من قسوته مادة للفرح، حتى أصبح اسمه وحده كافيًا ليعيد إلى الذاكرة زمنًا كانت فيه الكوميديا تحمل ملامح أصحابها ولا تشبه أحدًا سواهم.
وُلد إسماعيل ياسين في مدينة السويس يوم 15 سبتمبر 1912، وعاش طفولة قاسية تركت آثارها في تكوينه الإنساني والفني، قبل أن تدفعه ظروف الحياة إلى ترك الدراسة والعمل في أكثر من مهنة، لكن شيئًا واحدًا ظل يطارده؛ ذلك الشغف بالغناء ورغبة جامحة في الوصول إلى القاهرة، المدينة التي رأى فيها بوابة العبور من حياة عادية إلى حلم كبير.
من شوارع القاهرة إلى خشبة المسرح
انتقل إسماعيل ياسين إلى القاهرة في سن مبكرة، وبدأ طريقه الفني من الغناء والمونولوجات، قبل أن تفتح له خشبة المسرح أبوابًا أوسع، وكانت انطلاقته مع فرقة بديعة مصابني محطة مهمة في تكوين شخصيته الفنية، إذ بدأ يثبت نفسه كفنان يمتلك قدرة خاصة على تحويل التفاصيل اليومية إلى لحظات كوميدية قريبة من الجمهور.
ثم جاء لقاؤه بالكاتب أبو السعود الإبياري، ليبدأ واحد من أشهر الثنائيات الفنية في تاريخ الكوميديا المصرية، لم تكن الكتابة بالنسبة إلى الإبياري مجرد جمل مضحكة، ولم يكن إسماعيل ياسين مجرد مؤدٍ لها، بل نشأت بينهما لغة فنية صنعت شخصية سينمائية متفردة، قادرة على أن تجعل البساطة بطولة، والهزيمة مساحة للضحك، والإنسان العادي بطلًا لحكايته.
إسماعيل ياسين.. اسم تحول إلى علامة سينمائية
بدأ إسماعيل ياسين رحلته مع السينما في ثلاثينيات القرن الماضي، وشارك في عدد من الأعمال حتى أصبح أحد أبرز نجوم الكوميديا في السينما المصرية خلال الخمسينيات، ومع اتساع شعبيته، لم يعد اسمه مجرد اسم على أفيش الفيلم، بل تحول إلى علامة ارتبطت بعناوين أعمال كاملة، مثل «إسماعيل ياسين في الجيش» و«إسماعيل ياسين في البوليس» و«إسماعيل ياسين في الطيران» و«إسماعيل ياسين في الأسطول».
وفي تلك الرحلة، لم يكن وحيدًا؛ فقد جمعته الشاشة مع عدد كبير من نجوم عصره، من عبد السلام النابلسي ومحمد فوزي وفريد الأطرش إلى شادية، بينما شكّل تعاونه مع المخرج فطين عبد الوهاب واحدًا من أبرز فصول تجربته السينمائية، وخرج من هذا التعاون عدد من الأفلام التي ظلت حاضرة في ذاكرة الجمهور، من بينها «ابن حميدو» و«الآنسة حنفي» و«الفانوس السحري» و«العتبة الخضراء».
شادية والنابلسي وفريد الأطرش.. شركاء الضحكة
امتدت شراكة إسماعيل ياسين مع شادية إلى 28 فيلمًا، لتصبح العلاقة الفنية بينهما واحدة من الثنائيات التي تركت بصمة واضحة في الكوميديا والاستعراض، كما جمعته أعمال عديدة بعبد السلام النابلسي، بينما شارك فريد الأطرش في مجموعة من الأفلام التي مزجت بين الغناء والكوميديا، ليواصل إسماعيل ياسين بناء عالمه الخاص وسط مجموعة من أبرز نجوم السينما المصرية.
لكن ربما ظل رياض القصبجي، بشخصية «الشاويش عطية»، أحد أكثر الوجوه التصاقًا بعالم إسماعيل ياسين، فالكوميديا بينهما لم تكن مجرد مواقف متتابعة، وإنما كانت تقوم على اختلاف الشخصيتين وتضادهما، وهو ما جعل المشاهد ينتظر المواجهة بينهما كما ينتظر بداية الحكاية نفسها.
حين أصبح «أبو ضحكة جنان» أسيرًا للضحكة
وراء الصورة المضيئة، كانت هناك حياة أكثر تعقيدًا، فإسماعيل ياسين الذي اعتاد أن يملأ المسارح ودور العرض بالضحكات، واجه في سنواته الأخيرة ظروفًا مالية وفنية صعبة، بالتزامن مع تغير خريطة السينما وظهور أجيال جديدة من النجوم.
وفي عام 1966 حُلّت فرقته المسرحية، بعد سنوات قدم خلالها عشرات المسرحيات، بينما دفعته الأزمات المالية والضرائب إلى مواجهة مرحلة قاسية لم تتناسب مع المكانة التي صنعها على مدار سنوات طويلة، وسافر إلى لبنان بحثًا عن فرص فنية جديدة، قبل أن يعود إلى مصر ويواصل العمل بأدوار أقل من تلك التي اعتاد الجمهور أن يراه فيها.
الضحكة التي قاومت الزمن
رحل إسماعيل ياسين في 24 مايو 1972 إثر أزمة قلبية، عن عمر ناهز 59 عامًا، لكن رحيله لم ينهِ حكايته، فهناك فنان يمكن أن ينتهي حضوره بانتهاء زمنه، وهناك آخر يتحول إلى جزء من الذاكرة نفسها، ويبدو أن إسماعيل ياسين ينتمي إلى النوع الثاني؛ إذ بقيت أفلامه وشخصياته وإفيهاته جزءًا من وجدان أجيال متعاقبة.
ولعل المفارقة الأكثر إنسانية في حكايته أن الرجل الذي عاش سنوات من الصراع كي يصنع الضحكة، ترك خلفه إرثًا يجعل الجمهور يضحك حتى بعد عقود من رحيله، وكأن الفن في حالته لم يكن مجرد مهنة، بل وسيلة لمواجهة الحياة؛ فماذا يبقى من الفنان حين يسدل الستار؟ ربما تبقى تلك الضحكة التي صنعتها روحه، وتستمر في العيش حتى عندما يغيب صاحبها.












