Uncategorized

فن زراعة الوهم

بقلم: خالد متولى

الوهم مش كدبة بتتقال مرة وتتكشف. الكدبة غبية وسهل تمسكها. الوهم أذكى وأخطر. الوهم هو حقيقة مزيفة معمولة بحرفية لدرجة تخليك تشوف اللي مش موجود وتعمى عن اللي موجود قدامك. هو سراب، مفيهوش مياه، بس عطشك هو اللي بيرسمه قدامك ويخليك تجري وراه لحد ما رجلك تتكسر.

وشغلانة زراعة الوهم مش إنها تخدعك مرة وتخلص. شغلتها إنها تزرعلك فكرة جوه دماغك وتقعد تسقيها كل يوم لحد ما تكبر وتبقى شجرة ضخمة هي اللي بتحركك وانت فاكر إنك حر. العملية كلها ماشية بـ 4 خطوات محفوظة. أول حاجة البذرة. اللي بيزرع الوهم بيدور على أرض خصبة عندك. ممكن يكون خوفك من الفقر، طمعك في المكسب السريع، غرورك، إحساسك بالوحدة، أو إحساسك إنك أقل من الناس. بيختار الضعف اللي يناسبه ويحط البذرة. تاني حاجة الري. وهنا بيستخدم أخطر سلاح وهو التكرار. يقولك نفس الجملة 100 مرة وبأشكال مختلفة. “الفرصة دي مش هتكرر” “الناس كلها بتكسب إلا انت” “محدش بيحبك”. التكرار بيحفر في المخ لحد ما الكدبة تبقى مألوفة والمألوف بيتحول لحقيقة. تالت حاجة السماد. والسماد هنا هو العاطفة. يخليك غضبان، يخليك متحمس بزيادة، يخليك خايف لدرجة إنك مش شايف قدامك. أول ما العاطفة تشتغل المنطق بيفصل. وآخر مرحلة هي الحصاد. يديلك أمر حركة مباشر. اشتري دلوقتي حالاً، كره الشخص ده، صدقني أنا الوحيد اللي فاهمك، امشي معايا. ساعتها انت بتتحرك وانت مقتنع إن ده قرارك انت.

مين بقى اللي شاطر في اللعبة دي؟ ناس كتير وانت فاكر إنك بعيد عنهم. النصاب هو النموذج الكلاسيكي. بيزرعلك وهم الثراء السريع. يقولك تعالى حط 10 آلاف في شركة التداول وخلال شهرين هيرجعولك 100. هو مش بيبيعلك استثمار، هو بيبيعلك صورة نفسك وانت راكب عربية جديدة وعايش في فيلا. والدجال اللي بيبيع وهم الشفاء بيلعب على أضعف نقطة عند البني آدم وهي الخوف من المرض. يقولك معايا جن عاشق وفكه في جلسة واحدة وهترجع زي الفل. وبتوع التسويق شاطرين جداً فيها. بيزرعوا وهم النقص. يقنعك إن شكلك مش مقبول من غير الكريم ده، وإنك فاشل من غير اللاب توب ده، وإن حياتك ملهاش قيمة من غير الكورس اللي ب 20 ألف جنيه. وحتى بعض الخطباء اللي بيضللوا الناس بيلعبوا نفس اللعبة. يزرعوا وهم “الخلاص عندي أنا بس” و “كل الناس غلط إلا احنا” ويدوك إحساس انتماء وقوة مزيفة مقابل إنك تسلمهم عقلك.

طب ليه احنا بنصدق؟ ليه بنمسك في الوهم بإيدينا وسنانا وندافع عنه؟ عشان التفكير متعب. إنك تبحث وتدور وتقارن وتشك ده بيستهلك طاقة. إنما تصدق وتريح دماغك أسهل بكتير. وكمان الوهم بيدي إحساس حلو وسريع. بيديك أمل وهمي، بيديك معنى، بيديك حد تلومه على فشلك. الحقيقة أغلب الوقت باردة وتقيلة ومش على مزاجنا. وضيف عليهم تأثير القطيع. طالما كل الناس في الجروب والصفحة مصدقة يبقى أكيد صح، وأنا مش هبقى الغبي الوحيد اللي مش فاهم. وأخطر سبب هو إن مخنا بيكره يغلط. أول ما تصدق فكرة، عقلك بيشغل فلتر يرمي أي معلومة عكسها في الزبالة. عشان كده اللي مصدق الوهم مش بيحاول يثبت الحقيقة، هو بيحاول يثبت إنه مش غلطان.

تعال نشوف أمثلة من أرض الواقع. من كام سنة طلعت موضة “الدولارات المجمدة”. النصاب يقنع الضحية إن معاه شنطة دولارات بس عليها حبر ومحتاجة مادة تتفك بيها. البذرة كانت الطمع. الري كان بفيديوهات وصور مفبركة وشنط شكلها حقي. الحصاد إن ناس باعت دهبها وعربياتها عشان تشتري “الشنطة” وفي الآخر طلعت ورق متقطع. مثال تاني، بتوع كورسات “هتبقى مليونير في 90 يوم”. بيزرعوا وهم إن النجاح وصفة جاهزة. يدفع الشاب كل تحويشته وفي الآخر لما يفشل يقول العيب فيه مش في الكورس فيدخل كورس تاني أغلى عشان يثبت لنفسه إنه مش غلطان. مثال تالت، البنت اللي دجال أقنعها إن جوزها معموله عمل ولازم تدفع 50 ألف عشان يتفك. اتزرعلها وهم الخوف، وفضل يسقيه كل يوم بمكالمات “شايفة الحلم اللي حلمتيه؟ ده بسبب العمل” لحد ما سلمته كل اللي معاها. ومثال رابع وأخطر، احنا مع نفسنا. بنزرع وهم “هبدأ دايت من السبت” و “هذاكر من بكرة” و “لما الظروف تتحسن هبقى مبسوط”. الوهم ده بيريحنا النهاردة بس بيقتل سنين من عمرنا.

أخطر ما في زراعة الوهم إنها مش بتسرق فلوسك بس. دي بتسرق إرادتك ووقتك وكرامتك. بتخليك تمشي برجليك للسجن وتقفل الباب على نفسك وتبلع المفتاح وانت بتشكر اللي حبسك. عشان كده قبل ما تصدق أي فكرة وتتحرك بناء عليها لازم توقف ثانية واحدة وتسأل 3 أسئلة. أول سؤال مين المستفيد لو صدقت؟ تاني سؤال إيه الدليل الملموس مش الإحساس ومش “سمعت”؟ تالت سؤال لو الفكرة دي طلعت غلط هعرف ولا أنا قافل على نفسي ومش عايز أسمع؟ الوهم عامل زي العفن، بيموت أول ما نور السؤال يجي عليه.

وفي الآخر اسأل نفسك سؤال واحد بس. الفكرة اللي بتحركني دلوقتي أنا اللي زرعتها بإيدي؟ ولا حد زرعها فيا مخصوص عشان يحصدني في الآخر؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock