
يوستينا أشرف
في إطار احتفال مصر والصين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بدأت العلاقات الصينية المصرية مسيرة جديدة نحو مزيد من التوسع والتكامل، بالتزامن مع زيارة الدولة التي أجراها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر خلال الفترة من 1 إلى 2 سبتمبر 2026، والتي شهدت إصدار البلدين بيانًا مشتركًا بشأن مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وتأتي هذه الخطوة امتدادًا للزيارة التي أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الصين في مايو 2024، بمناسبة مرور عشر سنوات على إقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، والتي شهدت كذلك إصدار بيان مشترك وضع أسسًا مهمة لتطوير العلاقات الثنائية.
ويمثل البيانان المشتركان، كلٌ في مرحلته، «خارطة طريق» لتوجيه مسار تطور العلاقات الصينية المصرية، و«كشف حساب» يوثق ما تحقق من نتائج في مسيرة التعاون بين البلدين، حيث شهدت العلاقات خلال ما يزيد قليلًا على عامين، وتحت التوجيه الاستراتيجي لقيادتي البلدين، تطورًا نوعيًا وقفزة واضحة في مختلف المجالات.
وتجسدت أبرز ملامح هذا التطور في أربعة أبعاد رئيسية:
أولًا: توسع شامل في مجالات التعاون واتجاه نحو مجالات جديدة
شهد التعاون المصري الصيني في عام 2024 تركيزًا على المجالات التقليدية، وفي مقدمتها البنية التحتية والنقل والسكك الحديدية وبناء السفن والتشييد، إلى جانب تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى، مثل العاصمة الإدارية الجديدة والقطار الكهربائي الخفيف.
أما في عام 2026، فقد اتسعت مجالات التعاون بصورة ملحوظة، لتشمل إلى جانب البنية التحتية والنقل والطاقة والصناعات التحويلية والفضاء والعلوم والتكنولوجيا، مجالات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والاقتصاد الرقمي وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بُعد وغيرها من مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
ويعكس ذلك انتقال التعاون الصيني المصري بوتيرة متسارعة من المجالات التقليدية إلى مجالات التكنولوجيا الفائقة والاقتصاد الرقمي، بما يضيف زخمًا جديدًا للعلاقات الثنائية.
ثانيًا: الارتقاء بجودة التعاون وتعميق الاندماج بين الاقتصادين
في عام 2024، وضع الجانبان «توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا» ضمن أولويات التعاون، مع تشجيع دخول عناصر الإنتاج الصينية إلى مصر لإنتاج المنتجات النهائية.
وفي عام 2026، تعزز هذا الاتجاه من خلال دعم الشركات المصرية والصينية لتنفيذ مشروعات مشتركة في مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتصنيع المحلي، إلى جانب بحث مسارات توطين صناعات السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتحلية مياه البحر.
وتسهم هذه المجالات في دعم التحول الرقمي والتنمية المستدامة في مصر، بالتوازي مع الإعلان عن توسيع نطاق اتفاقية مبادلة العملات المحلية بصورة كبيرة، بما يعزز تيسير حركة التجارة والاستثمار بين البلدين.
ويعكس ذلك التكامل المتزايد بين الاستراتيجيات التنموية لمصر والصين، مع مواصلة تطوير التعاون في المجالات التقليدية وفتح آفاق جديدة في الطاقة الخضراء والاقتصاد الرقمي.
ثالثًا: تنسيق استراتيجي أوسع في قضايا الحوكمة العالمية
شهد عام 2024 تعزيز التنسيق والتعاون المصري الصيني في المحافل متعددة الأطراف، وفي مقدمتها مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، بما يدعم حق الأسواق الناشئة والدول النامية في التعبير عن آرائها داخل النظام الدولي.
وفي عام 2026، اتسع نطاق هذا التنسيق ليشمل الدفع نحو إصلاح النظام الدولي ومؤسسات التمويل الدولية، بما يجعلها أكثر عدالة وتمثيلًا للدول النامية وأكثر قدرة على مواجهة التحديات العالمية.
وباعتبار مصر والصين من الدول الفاعلة في «الجنوب العالمي»، يواصل البلدان تعزيز التنسيق والتعاون داخل منصات متعددة الأطراف، وفي مقدمتها الأمم المتحدة والبريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، والعمل المشترك من أجل تطوير منظومة الحوكمة العالمية.
رابعًا: تعزيز التعاون من أجل الأمن والسلام الإقليمي
أظهرت مصر والصين في عام 2026 قدرًا أكبر من المسؤولية تجاه قضايا الأمن الإقليمي، حيث أكد البلدان مجددًا أن القضية الفلسطينية تمثل جوهر قضية الشرق الأوسط، وشددا على أن إدارة البحر الأحمر وأمنه تقع أساسًا على عاتق الدول المطلة عليه، بما يضمن حرية الملاحة.
كما دعا الجانبان إلى تحقيق وقف إطلاق النار في السودان وبدء عملية سياسية شاملة، وأعربا عن تقديرهما للمبادرة ذات النقاط الأربع التي طرحها الرئيس شي جين بينغ بشأن الحفاظ على الأمن المشترك في منطقة الشرق الأوسط وتعزيزه، والتي تقوم على تعزيز القوة الذاتية، ودفع الحوكمة الشاملة، وترسيخ أسس التنمية، وتعزيز التنسيق الدولي.
وتدعم هذه الرؤية جهود دول المنطقة في بحث سبل إقامة هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط، بما يسهم في دفع النظام الدولي نحو مزيد من العدالة والإنصاف.
وأكدت القنصلية العامة لجمهورية الصين الشعبية بالإسكندرية أن البيانين المشتركين لعامي 2024 و2026 يمثلان محطتين مهمتين في تاريخ تطور العلاقات الصينية المصرية؛ إذ وضع بيان 2024 خطة لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة وأرسى أسسًا متينة لها، بينما أعطى بيان 2026 دفعة جديدة لتسريع بناء مجتمع المستقبل المشترك بين الصين ومصر.
وفي ظل مرور البلدين بمرحلة حاسمة من مراحل التنمية والنهضة، تتزايد أهمية توسيع مجالات التعاون المصري الصيني، بما يعزز القيمة المضافة للعلاقات الثنائية ويدعم محركات النمو والتنمية المشتركة.
وأعلنت القنصلية العامة لجمهورية الصين الشعبية بالإسكندرية استعدادها للعمل مع مختلف الشخصيات والجهات في نطاق اختصاصها، واغتنام الفرص التاريخية وتنفيذ التوافقات المهمة التي توصل إليها رئيسا البلدين، والسير في الاتجاه الذي رسمته القيادتان، مع توسيع التعاون العملي والتبادلات الإنسانية بصورة شاملة بين مختلف المحافظات الواقعة ضمن نطاق الاختصاص القنصلي والجانب الصيني، بما يسهم في ضخ قوة محلية جديدة لبناء مستقبل أكثر إشراقًا للعلاقات الصينية المصرية.












