Uncategorized

محمود الجندى يكتب.. حين يتحول الكذب إلى منظومة عمل

ليست كل أزمة في مؤسسات العمل سببها نقص الإمكانيات أو قلة الموارد، فهناك أزمات يصنعها الإنسان بنفسه، وتبدأ أحيانًا من مكتب مدير لا يمتلك مقومات القيادة، لكنه يمتلك سلطة اتخاذ القرار. وعندما يجتمع الفشل الإداري مع الكذب وسوء استخدام السلطة، تتحول بيئة العمل إلى ساحة من الصراعات، ويصبح الموظف المخلص هو الضحية الأولى.

المدير الذي اعتاد الكذب لا يكتفي بتضليل من حوله، بل يصنع بيئة تفقد فيها الحقيقة قيمتها، ويصبح الموظفون أمام واقع لا يعرفون فيه أي القرارات صادق، وأي التعليمات جادة، وأي الوعود يمكن الوثوق بها. ومع الوقت، تتراجع الثقة، وتنهار العلاقات بين الزملاء، ويصبح كل موظف حريصًا على حماية نفسه بدلًا من التركيز على أداء عمله.

عندما يتحول الفشل إلى سلطة

المشكلة ليست في أن يخطئ المدير؛ فالخطأ جزء من العمل، والقيادة الحقيقية تظهر في الاعتراف به وتصحيحه. لكن الكارثة تبدأ عندما يرفض المسؤول الاعتراف بفشله، ويلجأ إلى تحميل الآخرين أخطاءه، أو تبرير قراراته، أو استخدام سلطته لإخفاء عجزه عن إدارة المنظومة.

المدير غير الكفء قد يظن أن منصبه يمنحه الحق في فرض رؤيته على الجميع، حتى لو كانت قراراته تضر بمصلحة العمل. وقد يحاول تعويض نقص الخبرة بالصوت المرتفع، أو التهديد، أو التقليل من شأن أصحاب الخبرة، أو خلق حالة من الخوف تمنع الموظفين من إبداء آرائهم.

لكن الإدارة ليست استعراضًا للسلطة، وليست قدرة على إصدار الأوامر فحسب. الإدارة مسؤولية، وفهم لطبيعة العمل، وقدرة على اتخاذ القرار، وحسن التعامل مع البشر.

الكذب يهدم ما لا تستطيع الأخطاء هدمه

يمكن إصلاح خطأ إداري، ويمكن معالجة تقصير موظف، ويمكن تعديل قرار غير موفق. أما الكذب المستمر، فإنه يهدم الأساس الذي تقوم عليه أي مؤسسة: الثقة.

عندما يعتاد المدير تغيير الحقائق، أو تقديم معلومات غير دقيقة، أو استخدام الاتهامات وسيلة للضغط على الموظفين، يصبح الصدق عبئًا على من يمارسه، ويصبح السكوت وسيلة للنجاة. وهنا لا تتوقف الخسارة عند شخص واحد، بل تمتد إلى فريق العمل بأكمله.

فالموظف الذي لا يثق في مديره يفقد الحافز على المبادرة، ويتردد في تحمل المسؤولية، ويصبح أكثر اهتمامًا بتجنب العقاب من البحث عن أفضل الحلول. وبمرور الوقت، يتحول العمل من منظومة قائمة على التعاون إلى مجموعة أفراد يحاول كل منهم حماية نفسه من أخطاء الإدارة.

تدمير العلاقات بين الزملاء

من أخطر نتائج الإدارة السيئة أنها تفسد العلاقات الإنسانية داخل المؤسسة. فالمدير الذي لا يستطيع بناء فريق متماسك قد يلجأ إلى التفريق بين الموظفين، أو تفضيل بعضهم على بعض دون معايير واضحة، أو خلق حالة من الشك المتبادل.

وحين يشعر الموظفون بأن العدالة غائبة، وأن التقييم لا يعتمد على الأداء، تبدأ العلاقات في التدهور. يتحول الزميل إلى منافس، ويصبح التعاون مخاطرة، وتنتشر الشائعات، ويقل تبادل الخبرات.

والحقيقة أن المؤسسة التي تفقد روح الفريق تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على النجاح، مهما كانت إمكانياتها أو حجمها.

لماذا يجب مراجعة اختيار القيادات؟

إن اختيار المدير ليس مكافأة وظيفية، ولا مجرد ترقية إدارية، بل هو قرار يؤثر في مستقبل العاملين والمنظومة بأكملها. ولذلك يجب أن يخضع اختيار القيادات لمعايير واضحة، في مقدمتها الخبرة الفنية والإدارية، والنزاهة، والقدرة على التواصل، والاحترام المتبادل، والقدرة على تحمل المسؤولية.

ليس مطلوبًا أن يكون المدير محبوبًا من الجميع، لكن من الضروري أن يكون محل احترام وثقة، وأن يشعر العاملون معه بأن حقوقهم مصونة، وأن تقييمهم يتم بعدالة، وأن اختلاف الرأي لا يتحول إلى عقوبة.

فالمدير الناجح لا يخشى الموظف صاحب الخبرة، بل يستفيد منه. ولا يعتبر النقد إهانة، بل فرصة لتصحيح المسار. ولا يحتاج إلى الكذب أو التخويف حتى يثبت أنه قائد.

التطهير الإداري يبدأ بالعدالة

إن إصلاح منظومة العمل لا يكون بإقصاء كل من يختلف مع الإدارة، ولا بإطلاق الاتهامات جزافًا، وإنما بمراجعة الأداء، والتحقيق في الشكاوى، ومحاسبة من تثبت مخالفته، مهما كان منصبه.

ويجب أن تكون هناك آليات واضحة لتقييم المديرين، والاستماع إلى العاملين، ومراجعة القرارات التي تؤثر في بيئة العمل. كما ينبغي أن يحصل الموظف على حقه في الشكوى والتظلم دون خوف من الانتقام الوظيفي.

إن التطهير الحقيقي هو تطهير المنظومة من الفساد الإداري، والمحسوبية، والتستر على الأخطاء، وتقديم الولاء الشخصي على الكفاءة. وهو لا يعني التخلص من الأشخاص لمجرد اختلاف الآراء، بل يعني ضمان أن يبقى في مواقع المسؤولية من يستحقها.

كلمة أخيرة

المدير الذي يهدم الثقة بين زملائه، ويعطل العمل بقراراته، ويستخدم سلطته للإضرار بالعاملين، لا يضر شخصًا واحدًا، بل يضر المؤسسة التي يعمل بها.

والقيادة ليست لقبًا يُكتب على باب مكتب، وإنما سلوك يومي يراه الموظفون في العدل، والصدق، والاحترام، وتحمل المسؤولية.

لذلك، فإن إصلاح بيئة العمل يبدأ من اختيار القيادات على أساس الكفاءة والأخلاق، ومحاسبة المقصرين وفقًا للقانون، وحماية أصحاب الخبرة والإخلاص من أي ممارسات تضر بهم.

فالمؤسسات لا تنهض بالسلطة وحدها، ولا تستمر بالكذب، وإنما تنهض بالثقة والعدل والعمل الجماعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock