أخبار مصر

رحلة إلى الثمانينيات عبر صورة لم تُلتقط أبداً

كتبت – شهد طه

تخيل أن تستيقظ صباحًا لتجد صورة لك لم تُلتقط قط، لكنها تبدو حقيقية إلى حد يصعب تصديقه، صورة تحمل ملامح وجهك نفسها، لكن بشعر كثيف على طريقة نجوم الثمانينيات، وقميص واسع بياقة عريضة، وخلفية قماشية باهتة تشبه تلك التي اعتدنا رؤيتها في ألبومات آبائنا وأمهاتنا، لثوانٍ قليلة ، تشعر أن هناك خطأ ما في الزمن ثم تتذكر أن كل ما حدث لم يكن أكثر من ضغطة زر داخل تطبيق يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

لكن الصورة أمامك تهمس بشيء آخر ماذا لو كنت تعيش في الثمانينيات؟

فجأة يبدأ المشهد في التغير
لم تعد تمسك هاتفًا ذكيًا، بل تقف أمام استوديو تصوير صغير في وسط البلد. تدفع الباب الخشبي الثقيل، فتستقبلك رائحة الأفلام الفوتوغرافية ومواد التحميضيجلس المصور خلف كاميرته الكبيرة، يطلب منك أن تبقى ثابتًا للحظة. خلفك ستارة زرقاء باهتة، وأمامك فلاش أبيض يخطف عينيك لثانية واحدة مثل الأستاذ سعيد في فيلم عيال حبيبة و هو يلتقط صورة لسيدة عجوز

في ذلك الزمن، لم يكن التصوير حدثًا يوميًا كما هو الآن ، لم تكن هناك عشرات اللقطات التي يمكن حذفها وإعادة التقاطها في اللحظة نفسها كانت الصورة حدثًا استثنائيًا وطقسًا عائليًا ينتظره الجميع، يحمل في طياته هيبة ووقارًا يشبهان تلك اللحظة الشهيرة في مسلسل «أهو ده اللي صار»، عندما أخذ بديع البساطي ابنه إلى الاستوديو، وشدد عليه: «متبتسمش في الصورة عشان يقولوا علينا محترمين!».

كانت الابتسامة ترفًا، والوقار شرطًا لخلود اللقطة ، يرتدي أفراد الأسرة أفضل ما لديهم، ويتوجهون إلى المصور لالتقاط ذكرى قد تعيش لعقود داخل ألبوم محفوظ بعناية في أحد الأدراج.

لكن الصورة لم تكن الطريقة الوحيدة للاحتفاظ بالماضي
ففي زمن ما قبل الهواتف الذكية، كانت الكاميرا نفسها شاهدًا على لحظات لا تتكرر وهذا المعنى يمكن أن نراه بصورة مختلفة في مسلسل «ريفو»، الذي استعاد أجواء عالم الموسيقى والحفلات في فترة التسعينيات من خلال قصة فرقة يقودها شادي أشرف.

في المسلسل هذا لا تبدو الكاميرا مجرد أداة لتسجيل حفلة ، فهي توثق شادي وهو يغني، والفرقة وهي تعيش لحظات صعودها، والجمهور وهو يتفاعل معها ومع مرور الوقت، تتحول تلك التسجيلات المصورة إلى جزء من الذاكرة التي تساعد على استعادة حكاية الفرقة، وكأن الكاميرا التي سجلت لحظة عابرة أصبحت، بعد سنوات، شاهدًا على زمن كامل.

وتزداد قيمة تلك الصور حين نتذكر أن وراء كل لقطة أشخاصًا كانوا يعيشون اللحظة نفسها. فحسن فخر الدين، زوج والدة شادي، كان حاضرًا في حياته منذ طفولته، وسانده في خطواته الأولى، حتى أصبح جزءًا من الرحلة التي قادته إلى عالم الموسيقى.

هنا تحديدًا تتقاطع حكاية «ريفو» مع حكاية صور الثمانينيات، رغم اختلاف الفترة الزمنية، في الحالتين، هناك محاولة للاحتفاظ بشيء قد يختفي، الكاميرا القديمة كانت تحفظ لحظة حدثت فعلًا شخص وقف أمام عدستها، أو مطرب علي المسرح أو أسرة اجتمعت في استوديو صغير.

أما الصورة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي اليوم، فتفعل العكس تقريبًا ، فهي تصنع لحظة لم تحدث ثم تمنحها مظهرًا يجعلنا نتعامل معها كما لو كانت جزءًا من ماضينا.

وهذا بالضبط ما أعاد التريند الأخير إحياءه ليس فقط بروح الثمانينيات، وإنما بكل تفاصيلها البصرية، فجأة، عادت تسريحات الشعر الكثيفة والمموجة، والمفارق الجانبية الحادة، والبدلات ذات الأكتاف العريضة، والجاكيتات الجينز والقمصان المزركشة بطبعات هندسية جريئة، وياقات البولو العريضة.

حتى الصورة نفسها تحاول أن تبدو قديمة درجات ألوان دافئة، وملمس حبيبي خفيف، وإضاءة غير مثالية، وخلفيات قماشية باهتة ، تفاصيل صغيرة تجعل الصورة تبدو وكأنها خرجت للتو من مغلف ورقي قديم ظل منسيًا في قاع خزانة لسنوات.

لكن سر انتشار التريند لم يكن بصريًا فقط بل نفسيًا أيضًا.
فالكثير من المشاركين فيه لم يعيشوا الثمانينيات أصلًا. ومع ذلك، انجذبوا إلى الفكرة وكأنها تستدعي ذكرى قديمة لا تخصهم.

ربما لأن التريند منحهم فرصة للعب لعبة إنسانية قديمة اسمها .. ماذا لو ؟! ماذا لو وُلدت قبل أربعين عامًا؟

هل كنت ستصبح طالبًا جامعيًا يحمل حقيبة جلدية ويتنقل بين قاعات الجامعة؟ أم موظفًا يحمل صحيفة الصباح تحت ذراعه؟ أم فنانًا يحلم بالشهرة على أحد مسارح القاهرة؟
للمرة الأولى تقريبًا، لم يعد الأمر مجرد تخيل.

الأدوات الرقمية منحتنا نسخة بديلة من أنفسنا؛ نسخة تستطيع أن تعيش، ولو داخل صورة في زمن آخر، وهي مفارقة تشبه ما حدث في فيلم «سمير وشهير وبهير»، عندما عاد أبطاله إلى الماضي، ليجدوا أنفسهم في عالم تختلف فيه الملابس واللغة والتفاصيل اليومية، وصولًا إلى دهشة بهير و هو يقول “مصيبة يا جماعة .. الشرلستون رجع موضة”.


اليوم لا نحتاج إلى آلة زمن حتى نرى أنفسنا بهذه الصورة تكفي صورة نرفعها إلى تطبيق وبعض التعليمات وخوارزمية تستطيع إعادة تركيب ملامحنا وملابسنا وبيئتنا وفق صورة ذهنية عن زمن لم نعشه.
لكن رحلة العودة إلى الماضي ليست مجانية تمامًا.

فبينما كانت صورة الاستوديو القديمة محدودة بعدد النسخ التي يطبعها المصور، تفتح تطبيقات الذكاء الاصطناعي أسئلة مختلفة حول الخصوصية من بينها كيفية تخزين الصور الشخصية وما البيانات التي قد تجمعها الخدمة وكيف يمكن استخدام هذه البيانات مستقبلًا، وهي أمور تختلف من تطبيق إلى آخر بحسب سياسات الخصوصية وشروط الاستخدام.
وبذلك يصبح السؤال أكبر من مجرد «هل الصورة جميلة؟».

السؤال هو: ماذا نعطي للتكنولوجيا في مقابل أن تمنحنا هذه الرحلة القصيرة إلى الماضي؟
نحن نعيش الآن في زمن نستطيع فيه تصوير كل شيء تقريبًا، لكن كثرة الصور لم تجعل الصورة بالضرورة أكثر قيمة، في الماضي، كان انتظار الصورة جزءًا من معناها، أما اليوم فقد أصبحنا نلتقط مئات الصور في اليوم، ثم نبحث وسطها عن صورة واحدة تستحق أن تبقى.
وربما لهذا السبب تبدو الصورة القديمة ساحرة إلى هذا الحد.

هي لم تكن مجرد صورة، بل دليلًا على أن لحظة ما حدثت بالفعل.
وفي «ريفو»، تحتاج حكاية شادي والفرقة إلى تسجيلات قديمة كي تستعيد تفاصيل الماضي أما نحن فلا نحتاج إلى انتظار عقود حتى نرى أنفسنا في صورة قديمة؛ نستطيع اليوم أن نصنع لأنفسنا ماضيًا كاملًا خلال دقائق.

في النهاية نحن لا نستعيد الثمانينيات كما كانت، بل نصنع نسختنا الخاصة منها؛ نسخة تجمع بين ذاكرة لم نعشها وتكنولوجيا لم تكن موجودة وقتها.

نغلق التطبيق ونعود إلى الحاضر، لكن تبقى الصورة الثمانينية معلقة داخل ألبومنا الرقمي، كأنها تذكار من رحلة لم نقم بها فعلًا.
ربما لم نعش الثمانينيات يومًا، لكننا استعرناها لدقائق.

ارتدينا ملابسها وصففنا شعرنا على طريقتها، وجلسنا أمام كاميراتها ثم عدنا إلى حاضرنا حاملين صورة من حياة لم تحدث أبدً، فإذا كانت التكنولوجيا تستطيع أن تصنع لنا صورة من ماضٍ لم نعشه، فهل يمكن أن تجعلنا نفتقد زمنًا لم نكن فيه أصلًا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock