Uncategorized

بضاعة المفلسين .. حين يصبح اتهام الناس وسيلة للرزق

بقلم : خالد متولى

وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم. هذه الآية من سورة النور نزلت حين استهان الناس بنقل الكلام في حادثة الإفك، فجاء التحذير أن ما تظنه كلمة عابرة هو عند الله ذنب عظيم. قد يقول الإنسان كلمة في مجلس، أو يكتب تعليقاً على موقع، ويظن أن الأمر انتهى، كلمة قالها ومضى ونسيها، لكنه لا يدري أنها سافرت ودخلت بيتاً فأحزنته، وكسرت قلباً، وشوهت سمعة إنسان بريء لم يستطع أن يدافع عن نفسه.

نحن في زمن أصبح فيه اتهام الناس أسهل من شرب الماء، بلا دليل ولا بينة ولا خوف من الله. يكفي أن تكره شخصاً لتتهمه، ويكفي أن تختلف معه لتطعن في دينه وعرضه وأمانته.

هناك أناس اتخذوا اتهام الناس مهنة. بدافع الحقد والحسد، لأنه لا يستطيع أن يصل إلى مكانتك فيحاول أن يشوه صورتك. أو بدافع تصفية المنافسين في العمل أو الانتخابات أو حتى داخل العائلة. وكثير منهم اليوم يفعل ذلك لصالح شخص آخر، يمدح مسؤولاً أو صاحب نفوذ، ويسب هذا ويكذب على ذاك، طمعاً في مكافأة أو ترقية أو مال أو حتى كلمة شكر على مواقع التواصل.

وهذا نسي حقيقة أن الرزق لا حيلة فيه. ما كتبه الله لك سيأتيك، وما لم يكتبه لك لن تأخذه ولو وقفت على رأسك. فأنت تبيع دينك وآخرتك من أجل رزق هو في الأصل قادم إليك، أو من أجل رزق لم يكن لك أصلاً. الرزاق هو الله، وليس من تجامله بالكذب.

والذي يتهم الناس بالباطل يخسر خسارتين كبيرتين في الدنيا قبل الآخرة. الأولى أنه يخسر احترامه لنفسه، فهو في داخله يعلم أنه كاذب، ينظر إلى نفسه ويعلم أنه رخيص. والثانية أنه يخسر احترام الناس له. قد يسمعه الناس مرة ويصفقون له، لكن مع الوقت يعرف الجميع أنه صاحب افتراء، فلا يعود لكلامه قيمة ولا لصحبته رغبة، ويصبح مكروهاً حتى ممن كانوا يستخدمونه ويشجعونه.

وفوق ذلك ينزع الله البركة من حياته. قد تجد معه مالاً لكن بلا بركة، وبيتاً لكن بلا سكينة. كل فترة مرض، أو مشكلة مع ولده، أو نكد دائم مع زوجته، أو مال يأتي ويضيع في أمور تافهة. لماذا؟ لأن دعوة المظلوم الذي اتهمته ليس بينها وبين الله حجاب. قد تكون أنت نائماً والمظلوم مستيقظ يدعو عليك.

وهنا يجب أن نقف وقفة خوف صادق. يجب أن يعلم كل من يتهم الناس بالباطل أن ذنبه هذا ليس كأي ذنب. إذا قصرت في الصلاة أو الصيام فهذا حق الله، والله كريم غفور رحيم قد يسامحك إذا تبت وصدقت. أما حقوق العباد فإن الله لا يسامح فيها أبداً إلا إذا سامحك صاحب الحق نفسه.

معنى ذلك أنك يوم القيامة ستقف أمام الله ومعك صلاة وصيام وقيام ليل، ثم تجد كل حسناتك تذهب للذي ظلمته واتهمته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.

فقد تصوم النهار وتقوم الليل وتحج كل عام، ثم تظل محبوساً عن الجنة لا تدخلها حتى يصفح عنك صاحب المظلمة، والمظلوم يوم القيامة لن يصفح بسهولة، إنه يوم يبحث فيه الإنسان عن حسنة واحدة لينجو بها، فهل سيعطيها لك وأنت الذي شوهت سمعته وآذيته؟ لهذا قال الله ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً. وقال إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة.

وتذكر قصة السيدة عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك حين اتهمت في عرضها وهي زوجة النبي، فبرأها الله من فوق سبع سماوات بعد شهر من الحزن، ليعلمنا أن أعراض الناس ليست لعبة.

وأمثلة ذلك نراها كل يوم. موظف يكتب تقريراً كيدياً في زميله ليأخذ مكانه فإذا به يطرد بعد شهرين بفضيحة. ورجل يتهم بنتاً بريئة ليبرر أنه تركها فيرزقه الله بزوجة تريه الشقاء. وشخص يقضي ليله ونهاره يوزع اتهامات الخيانة والفسق ليرضي حزباً أو جماعة، فتجد حياته ضيقاً وفقراً وهماً لا ينقطع.

والخاتمة أن هذه الكلمة التي تطلقها اليوم ستعود إليك غداً. ستعود في قلة بركتك، وفي كره الناس لك، وفي دعوة مظلوم لا تنام، وستعود يوم القيامة ناراً تأخذ حسناتك. فوالله ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد. إن كان معك دليل فاذهب به إلى القضاء أو واجه به الشخص، وإن لم يكن معك دليل فاسكت فإن السكوت عبادة، وإن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا. اتق الله في لسانك، فإن حق العبد سيبقى معلقاً في رقبتك إلى يوم الدين حتى يصفح عنك من ظلمته، ولن ينفعك يومها لا من جاملته ولا من أرضيته بظلمك لغيرك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock