
بقلم/ مسعود علام
سألوني عنها… فأجبتهم: لا أحبها، بل أعشقها!
سألوني عنها، فقالوا: أتحبها؟
قلت: لا… ولكني أعشقها، والعشق أكبر من أن تحيط به كلمة، وأعمق من أن يختصره وصف.
قالوا: صفها لنا.
فقلت: وكيف أصف الجمال، وأنتم لا تقوون على النظر إلى الشمس في كبد السماء؟!
وكيف أصف النار التي تحرق المغتصب والجبان، والجنة التي تحتضن أبناءها، وتفتح ذراعيها لكل عاشق لترابها، ولكل قلب لم يعرف يومًا معنى الخيانة؟
كيف أصف شروق النهار حين يوقظ الحياة من سباتها؟
وكيف أصف ندى الصباح حين يعانق أوراق الشجر؟
وكيف أصف الشمس وهي ترسم على الأفق حكاية النور، والنسيم وهو يحمل عبير الأرض، ويهمس بأسرار الحقول؟
قالوا: أجننت بها إلى هذا الحد؟
قلت: وهل يُلام المرء إذا عشق وطنًا يسكنه قبل أن يسكنه، ويجري في عروقه كما يجري الدم في الشرايين؟!
كيف لا أعشقها، وهي الأرض التي أنبتت الزرع، وأهدت الحياة للسنابل، وعلّمت النهر كيف يغني، والماء كيف يروي عطش الأرض؟
كيف لا أعشقها، وهي الربيع حين تتفتح أزهار الحياة، وهي الخضرة حين تمتد على مد البصر، وهي حكاية الجمال التي لا تنتهي فصولها؟
قالوا: صف لنا سحرها!
قلت: في ملامحها حكايات التاريخ، وفي ترابها أسرار الحضارة، وفي جبالها شموخ لا تنال منه العواصف، وفي سمائها دعوات أجيال تعاقبت، لكنها لم تتوقف يومًا عن الحلم.
إنها الأرض التي تجلّى الله سبحانه وتعالى فيها للجبل، فجعله دكًّا، وارتبط اسمها بقداسة الوادي المقدس طوى، فصارت في وجداننا أكثر من مجرد جغرافيا؛ صارت ذاكرة الأنبياء، وموطن الحكايات الخالدة، وامتدادًا لتاريخ لا تمحوه الأيام.
قالوا: أكمل!
قلت: هي البحار حين تتسع للحلم، والأنهار حين تمنح الحياة، والحقول حين تلبس ثوب الخضرة، والأشجار حين تمد جذورها في أعماق الأرض، رافضةً أن تقتلعها رياح الغدر.
هي الأرض التي تمنح أبناءها الدفء مهما اشتد البرد، وتفتح أبوابها للغريب إذا ضاقت به الدنيا، وتحمي الضعيف إذا تكالبت عليه قسوة الحياة.
هي الجنة لمن أحبها وصان ترابها، وهي الجحيم لكل مغتصب استباح أرضها، ولكل جبان ظن أن الأوطان تُنتزع بلا ثمن، أو أن الشعوب تنسى دماء أبنائها وتتنازل عن حقها في الحياة والكرامة.
قالوا: إذن، أهي مجرد أرض تعشقها؟
فقلت: لا، إنها أكبر من الأرض، وأبقى من الحدود، وأعمق من الكلمات.
إنها الأم حين تضيق بنا الدنيا، والبيت حين تتبعثر بنا الطرق، والذاكرة حين يحاول النسيان أن يسرق ملامحنا، وهي المستقبل الذي نحلم به، مهما أثقلتنا الجراح، ومهما طال ليل المحن.
كيف لا أعشقها، وهي ليست وطنًا أسكنه فحسب، بل وطن يسكنني، وهوية أحملها، وعمر أعيشه، وحلم أرفض أن يموت؟!
كيف لا أعشقها، وهي الأرض والسماء، والماضي والحاضر، والأمل الذي يولد من رحم المعاناة؟
كيف لا أعشقها… وهي كل الأوطان؟!












