أخبار مصر

عبد الحكيم عامر.. من قمة السلطة إلى نهاية النفوذ بعد هزيمة 1967

كتبت ـ شهد عابدين

من قمة المؤسسة العسكرية إلى الإبعاد والإقامة الجبرية ثم الوفاة بعد أشهر قليلة من هزيمة يونيو 1967، تختصر سيرة المشير عبد الحكيم عامر جانبًا معقدًا من تاريخ مصر في عهد جمال عبد الناصر.

كان عامر أحد أبرز رجال الدولة في تلك الفترة، تولى قيادة القوات المسلحة ووزارة الحربية، ثم أصبح نائبًا أول لرئيس الجمهورية ونائبًا للقائد الأعلى للقوات المسلحة.

 وبعد هزيمة يونيو، انتهى نفوذه العسكري والسياسي خلال فترة قصيرة، قبل أن يتوفى في سبتمبر 1967 في ظروف ظلت موضع جدل لعقود.

الرواية الرسمية قالت إن عامر انتحر بعد وضعه تحت الإقامة الجبرية، لكن روايات أخرى ظهرت لاحقًا وشككت في ظروف وفاته، وبين الروايتين، تكشف الوثائق والتغطيات المعاصرة جانبًا من الصراع الذي شهدته دوائر الحكم والمؤسسة العسكرية بعد الهزيمة.

من ضابط شاب إلى قمة المؤسسة العسكرية 

وُلد عبد الحكيم عامر عام 1919 في قرية أسطال بمحافظة المنيا، وتخرج في الكلية الحربية عام 1938، ثم في كلية أركان الحرب عام 1948، وخلال حرب فلسطين خدم في الوحدة نفسها التي كان يخدم فيها جمال عبد الناصر.

بعد ثورة يوليو 1952، بدأ صعود عامر داخل المؤسسة العسكرية بسرعة لافتة، ووفقًا للهيئة العامة للاستعلامات، رُقي عام 1953 من رتبة رائد إلى لواء وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، ثم أصبح قائدًا عامًا للقوات المسلحة، قبل أن يتولى وزارة الحربية عام 1954.

وفي فبراير 1958 مُنح رتبة المشير، ثم أصبح نائبًا أول لرئيس الجمهورية عام 1964، وفي سبتمبر 1966 تولى منصب نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الموقع الذي ظل يشغله حتى اندلاع حرب يونيو 1967، وفق السجلات الرسمية المصرية ووثائق وزارة الخارجية الأمريكية، في ذلك الوقت، لم يعد عامر مجرد قائد عسكري، كان واحدًا من أبرز مراكز القوة داخل الدولة.

الرجل الأقرب إلى عبد الناصر .. و الأقرب للسلطة 

بدأت علاقة عامر بعبد الناصر قبل ثورة يوليو، واستمرت بعد وصول الضباط الأحرار إلى السلطة، وتصفه الهيئة العامة للاستعلامات بأنه كان من رجال الثورة وصديقًا مقربًا من عبد الناصر، فيما تضعه الوثائق الأمريكية ضمن الدائرة العليا للقيادة السياسية والعسكرية المصرية قبل حرب 1967.

هذه العلاقة كانت أحد العوامل التي صاحبت صعود عامر، وجعلته حاضرًا في ملفات تتجاوز حدود المؤسسة العسكرية، ففي أبريل 1967، قبل أسابيع قليلة من الحرب، كان يتابع ملفًا يتعلق بالتطورات في اليمن بصفته المشير عبد الحكيم عامر، وفق وثيقة محفوظة ضمن سجلات العلاقات الخارجية الأمريكية.

من السويس إلى اليمن.. اتساع الدور

ارتبط اسم عامر بعدد من أبرز الصراعات العسكرية التي خاضتها مصر في عهد عبد الناصر، من حرب السويس عام 1956 إلى التدخل العسكري المصري في اليمن خلال ستينيات القرن العشرين.

وتذكر الهيئة العامة للاستعلامات دوره في قيادة القوات المصرية خلال حرب السويس، كما تضعه ضمن القيادة العسكرية التي تولت إدارة المؤسسة المسلحة حتى حرب 1967.

ومع اتساع نفوذه، اتسعت معه مسؤوليته عن أداء الجيش والقرارات العسكرية التي اتخذتها القيادة المصرية في أزمات إقليمية مختلفة.

يونيو 1967.. الاختبار الذي غير كل شيء .. 

في 5 يونيو 1967 بدأت الحرب العربية الإسرائيلية، وانتهت بخسارة مصر شبه جزيرة سيناء، لتدخل القيادة السياسية والعسكرية المصرية في واحدة من أصعب أزماتها، كان عامر وقتها نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووضعته الوثائق الأمريكية ضمن القيادة العليا للجيش المصري قبل الحرب.

بعد الهزيمة، بدأت تغييرات واسعة داخل القيادة العسكرية، وتشير وثيقة لوزارة الخارجية الأمريكية إلى أن استقالة عامر وعدد من كبار الضباط عكست خلافات داخل المؤسسة العسكرية حول أسباب الهزيمة، فيما ارتبطت التغييرات اللاحقة بمحاولة احتواء الاضطراب داخل الجيش.

وتذكر الهيئة العامة للاستعلامات أن عامر أعفي من مناصبه بعد الحرب وأُحيل إلى التقاعد، ثم وُضع تحت الإقامة الجبرية، كان موقعه يجعله مسؤولًا بصورة مباشرة عن أداء القوات المسلحة، ولذلك يصعب فصل اسمه عن مسؤولية المؤسسة العسكرية في يونيو 1967. لكن تحميله وحده مسؤولية الهزيمة يقدم صورة أبسط من الواقع السياسي والعسكري في ذلك الوقت.

فالقرار لم يكن صادرًا عن شخص واحد، وكانت هناك قيادة سياسية وعسكرية متداخلة المستويات، وهو ما ظهر بوضوح في التغييرات التي أعقبت الهزيمة.

بعد الهزيمة.. سقوط مركز القوة .. 

إبعاد عامر لم يكن مجرد تغيير في منصب عسكري. فقد جاء في وقت كانت فيه القيادة المصرية تعيد ترتيب مواقع القوة داخل الجيش والدولة، وتشير وثائق أمريكية إلى أن إبعاد عامر واستقالة عدد من كبار الضباط ارتبطا بخلافات حول أسباب الهزيمة، بينما أظهرت وثائق أخرى خروج عدد كبير من قيادات الجيش من مواقعهم بعد الحرب.

وهكذا، تزامن سقوط عامر مع إعادة تشكيل واسعة للقيادة العسكرية، ولم يعد الرجل الذي كان أحد أهم مراكز القوة في الدولة قادرًا على ممارسة نفوذه السابق.

من الإبعاد إلى الاتهام بالتآمر 

في أغسطس 1967، اعتُقل عامر على خلفية اتهامات بالإعداد لتحرك ضد نظام عبد الناصر، وتتناول وثائق وزارة الخارجية الأمريكية اعتقاله بوصفه نائب القائد الأعلى السابق، كما ترصد أثر ذلك في أنصاره داخل المؤسسة العسكرية، في وقت كانت فيه آثار الهزيمة لا تزال واضحة داخل الجيش.

لكن وجود اتهام بالتآمر لا يعني بالضرورة ثبوت التهمة، والوثائق الأمريكية التي تناولت تلك الفترة تعكس وضعًا مضطربًا داخل المؤسسة العسكرية وصراعًا على النفوذ، لكنها لا تقدم بمفردها إثباتًا مستقلًا لكل تفاصيل الاتهامات الموجهة إلى عامر.

نهاية المشير

في 13 سبتمبر 1967 توفي عبد الحكيم عامر، بعد أسابيع من إبعاده عن السلطة ووضعه تحت الإقامة الجبرية، الرواية الرسمية المصرية اعتبرت الوفاة انتحارًا. ونقلت مجلة «تايم» في سبتمبر 1967 إعلان القاهرة وفاة عامر بهذه الصورة، كما وصفت وثيقة أمريكية لاحقة الوفاة بأنها انتحار، مع الإشارة إلى تأثيرها في مؤيديه داخل المؤسسة العسكرية، لكن إعلان الرواية الرسمية لم ينه الأسئلة حول ما حدث في أيام عامر الأخيرة.

لماذا استمرت الشكوك حول وفاته؟

بعد وفاة عامر، ظهرت روايات أخرى شككت في ملابسات موته، وفي ديسمبر 1967، نشرت مجلة «تايم» تقريرًا عن وثيقة من 14 صفحة قيل إنها تمثل وصية عامر الأخيرة، وذكرت المجلة أن أشخاصًا عرفوه واطلعوا عليها رأوا أن أسلوبها وتوقيعها يتوافقان معه، لكنها أشارت أيضًا إلى احتمال التزوير.

وهكذا دخلت الوثيقة في الجدل حول ظروف الوفاة، لكنها لم تكن وحدها دليلًا حاسمًا على الاغتيال.

وبعد عقود، عاد الملف إلى الواجهة في مصر. ففي سبتمبر 2012 نشرت «الأهرام» أن النيابة العسكرية بدأت بحث ملف وفاة عامر بعد طلب تقدمت به أسرته، التي تمسكت برواية مقتله، في مقابل الرواية الرسمية التي تقول إنه انتحر، إعادة فتح الملف لم تحسم، في حد ذاتها، رواية القتل، كما أن استمرار الشكوك لا يكفي وحده لإثباتها.

ماذا تكشف الوثائق الأمريكية عن نهاية عامر؟

الوثائق الأمريكية لا تتوقف عند واقعة وفاة عامر، بل تعطي صورة عن حالة المؤسسة العسكرية بعد إبعاده.

ففي تقييم استخباراتي أمريكي صدر بعد وفاته، رأت الاستخبارات الأمريكية أن اعتقال عامر ربما زاد من حالة المرارة بين مؤيديه داخل الجيش، وأن وفاته عمقت هذا الاستياء، مع احتمال أن يحمل بعض مؤيديه عبد الناصر مسؤولية ما حدث.

لكن هذه الوثيقة تظل تقييمًا استخباراتيًا أمريكيًا لما كان يجري داخل مصر، وليست تحقيقًا في الوفاة. لذلك لا يمكن استخدامها وحدها لإثبات تورط طرف بعينه، وهنا تكمن أهمية التعامل بحذر مع الوثائق الأجنبية  فهي تساعد في فهم ما حدث و لكنها ليست مصادر ناخذ منها كلاما موثوق و فيصلي

هل كان عبد الحكيم عامر مسؤولًا عن هزيمة 1967؟

الإجابة ليست بسيطة هكذا، فكان عامر واحدًا من أعلى المسؤولين العسكريين في مصر، وكان في موقع يجعله مسؤولًا بصورة مباشرة عن أداء القوات المسلحة والقرارات العسكرية في تلك المرحلة، لذلك لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية القيادية عن أداء الجيش.

في الوقت نفسه، فإن وضع الهزيمة كلها على عاتقه وحده يتجاهل طبيعة النظام السياسي والعسكري في مصر، وتداخل مستويات اتخاذ القرار قبل الحرب، وتشير الوثائق الأمريكية إلى خلافات داخل القيادة المصرية بعد الهزيمة وإلى تغييرات واسعة في قيادة القوات المسلحة، وهو ما يعكس تعدد مراكز المسؤولية.

الأدق إذن أن يُنظر إلى عامر باعتباره مسؤولًا عسكريًا رئيسيًا عن أداء الجيش في 1967، لكن ليس بوصفه المسؤول الوحيد عن نتيجة الحرب.

الرجل الذي انتهى نفوذه.. وبقي الجدل

بعد أكثر من نصف قرن، لا يزال عبد الحكيم عامر حاضرًا في الجدل حول هزيمة يونيو 1967، بالنسبة إلى منتقديه، كان أحد أبرز المسؤولين عن أداء الجيش، وبالنسبة إلى قراءات أخرى، كان جزءًا من أزمة أكبر شملت طريقة إدارة الدولة والجيش وصنع القرار السياسي والعسكري.

لكن مسار حياته السياسية والعسكرية يظل لافتًا في حد ذاته. فقد صعد خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أعلى نقاط السلطة في مصر، ثم انتهى نفوذه في أسابيع بعد الهزيمة.

أما وفاته، فما زالت الرواية الرسمية المصرية تعتبرها انتحارًا، وهي الرواية التي ظهرت كذلك في تغطيات أمريكية معاصرة للحدث، وفي المقابل، استمرت روايات تشكك في ظروف الوفاة، وعاد الملف إلى البحث بعد عقود، من دون أن يؤدي ذلك وحده إلى إثبات رواية الاغتيال.

قصة عبد الحكيم عامر، في النهاية، ليست فقط قصة قائد عسكري انتهى دوره بعد هزيمة، وإنما قصة صعود سريع داخل نظام كانت المؤسسة العسكرية أحد أهم مراكز قوته، ثم سقوط سريع عندما تحولت الهزيمة إلى أزمة قيادة وأعادت ترتيب موازين السلطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock