
بقلم: خالد متولي
على مدار أكثر من ألف وأربعمائة عام، اجتهد المفسرون في بيان معاني القرآن الكريم، فأبدعوا في تفسير آيات التوحيد والعقيدة، وتعمقوا في استنباط أحكام الفقه والشريعة، حتى تركوا لنا مكتبة تفسيرية عظيمة نفخر بها. لكن يبقى سؤال مشروع يلح عليّ كلما قرأت قوله تعالى “نحن نقص عليك أحسن القصص”: هل تناولنا ثلث القرآن الخاص بالقصص بنفس العمق الذي يكشف سر كلمة “أحسن”؟ أم أننا اكتفينا منه بالعبرة والموعظة وتركنا وجها عظيما من وجوه إعجازه؟ هذا هو تساؤلي الذي أطرحه هنا، لا تشكيكا فيمن سبق، بل طمعا في فتح باب جديد للتدبر.
ولعل مقالي هذا يكون صادما للبعض، ولكن هل يعقل أن يكون ثلث القرآن لم يُكشف إعجازه السردي والبياني بالكامل حتى الآن، رغم كثرة التفاسير؟
القرآن الكريم ينقسم إلى ثلاثة مقاصد كبرى: قسم للتوحيد وصفات الإله، ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلثه، وقسم لأحكام الفقه والشريعة، وقسم ثالث هو القصص القرآني، وهو موضوع هذا المقال.
والقرآن بطبيعته يخاطب الناس أجمعين، المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى وحتى غير المؤمنين. فكيف نخاطبهم لبيان عظمة القرآن خاصة فيما يتعلق بالقصص القرآني؟ لا يكون ذلك إلا ببيان الفرق الشاسع بين القصص القرآني الرباني وبين القصص البشري الذي يكتبه الإنسان.
وللتوضيح، فليس الهدف أبدا وضع القصص البشري في موضع المساواة مع القصص القرآني، فشتان الفارق، وتعالى كلام الله عن المقارنة. ولكن المقارنة هنا هي كمن يقارن بين نور الشمس ونور المصباح، ليس ليتساويا، بل ليُدرك الناس عظمة نور الشمس حين يرون قصور نور المصباح. نحن نستخدم أدوات التحليل السردي الحديثة لا لنُخضع القرآن لقواعد البشر، بل لنُظهر كيف أن القرآن تفوق على كل قواعد البشر وأعجزها، مع أنه استخدم نفس الأدوات الظاهرة للسرد كالشخصيات وتتابع الأحداث.
وهنا يبرز سؤال مهم: كيف أقوم ببيان هذا التفوق وأنا غير ملم بقواعد فن القص والسرد الحديث؟ ماذا سأقارن إذن؟
وعن تجربتي الشخصية مع سورة يوسف التي أقرأها منذ الصغر وأتدبر معانيها، وجدت بعد دراستي لعلم البناء القصصي والسردي اختلافا كبيرا في طريقة فهمي وإدراكي للسورة، وزاد تعلق قلبي بها أكثر مما سبق.
فالقصص بطبيعته يخضع لعلم له أصوله وقواعده المتعارف عليها عند أهل الصنعة، وأهمها أن أي قصة محكمة تحتاج إلى تمهيد وتعريف بالشخصيات، ثم تصاعد وتوتر، ثم حل ونهاية، مع وجود شخصيات رئيسية وثانوية ومفصلية مهمتها الربط بين الأحداث، وخطوط سردية متعددة يجب تضفيرها في مسار واحد، بالإضافة إلى ما يسمى بالفجوات السردية، وهي الأحداث التي لا تُذكر نصا لكن يفهمها القارئ بالمنطق وسياق الكلام.
فإذا نظرنا لسورة يوسف نجدها تقدم بناءً قصصيا مكتملا معجزا، فشخصيتها الرئيسية هي يوسف عليه السلام، والثانوية تتمثل في يعقوب وإخوته وامرأة العزيز وعزيز مصر، أما الشخصية المفصلية فهي القافلة الذين التقطوه من الجب، وكان وجودهم ضروريا حتى لا ينقطع البناء القصصي ولا يصعب على القارئ فهم انتقاله من الجب إلى مصر. وخطوطها السردية كثيرة ومحكمة، من علاقته بأبيه وإخوته، إلى علاقته بامرأة العزيز والعزيز نفسه، وقد تم تضفيرها جميعا بحرفية لا يستطيعها بشر، مع إثارة وتشويق ملازمين لكل مفصل من مفاصل القصة.
والأعجب من ذلك أن السورة استخدمت أدق تقنيات السرد الحديث ببراعة مطلقة. فهي بدأت بالحلم وانتهت بتحقيقه، وهذا ما يسميه النقاد بتقنية الإطار، حيث تعود النهاية لتربط البداية في دائرة محكمة لا يستطيع كتابتها إلا محترف كبير، فما الحال إذا كان القاص هو المولى عز وجل، كما استخدمت ما يسمى بالمفارقة التصويرية، فالقارئ يعرف من الآية الأولى أن رؤيا يوسف ستتحقق وأنه سيصبح عزيزا، بينما كل الشخصيات داخل القصة لا تعرف، فنحن نشاهد الأحداث ونحن نعلم النهاية، وهذا هو قمة التشويق والتأثير.
وهنا يأتي السؤال المنطقي، كيف لنبي أمي نشأ في بيئة صحراوية لم تعرف هذه القواعد أن يأتي بقصة محكمة بهذا الشكل دون أن يخل بقاعدة واحدة من قواعد البناء القصصي المحكم؟ هنا تتجلى حقيقة أن القرآن ليس من صنع بشر، بل هو من عند الله عز وجل.
وقد يقول قائل إن أي قاص بارع يستطيع كتابة قصة سليمة سرديا، فأين الإعجاز والتفرد في ذلك؟ والإجابة في قوله تعالى “أحسن القصص”، وهي صيغة تفضيل مطلق، أي أنه لا يوجد كاتب مهما بلغت مهارته يستطيع أن يكتب أحسن منه، وهذا هو التحدي والإعجاز الحقيقي. نفس الأدوات الظاهرة لكن الناتج مختلف كليا، وفي ذلك قمة التحدي من الله عز وجل للآخرين.
ولتبسيط الفكرة، لنتخذ مثالا من القصص المعاصر، فمسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” مأخوذ من رواية لإحسان عبد القدوس لا تتجاوز خمس أو ست صفحات، وحين حولها الكاتب مصطفى محرم إلى ثلاثين حلقة مدة كل منها خمس وأربعون دقيقة، اضطر لإضافة عشرات الشخصيات والأحداث من وحي خياله ليكمل البناء.
في المقابل، العمل الفني الذي قُدم عن سورة يوسف وبلغ خمسا وأربعين حلقة، لم يضطر كاتبه لإضافة شخصية أو حدث واحد من عنده، بل وجد كل ما يحتاجه كاملا في سورة يوسف رغم قلة صفحاتها، ولو أراد كتابة أجزاء أخرى لوجد مادتها حاضرة أيضا. فأي إعجاز قصصي هذا؟ إنه أشبه بنقطة حبر صغيرة سقطت في برميل ماء، فبدلا من أن تذوب فيه صبغت كل مائه بنفس كثافتها ولونها.
علما بأن جميع شخصيات القصص القرآني حقيقية وليست من وحي الخيال، عكس ما قد يضطر إليه الكاتب البشري من ابتكار شخصيات وأحداث من مخيلته ليكمل بها البناء.
ومن هذا المنطلق أرى أن ثلث القرآن الخاص بالقصص لم يُكشف إعجازه البياني والتصويري بعد بالشكل الكافي، اكتفاء بما فيه من عبر ومواعظ وأحكام، مع أن هذا الثلث لا يحتاج لعالم شرعي فقط، بل يحتاج معه إلى متخصص في علوم البناء السردي والتصوير البياني يفهم أصولها وقواعدها، ولهذا أطالب فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بالنظر في تدريس مادة علوم السرد والبناء القصصي وتحليل الخطاب في جامعة الأزهر، لا ليتجه علماؤنا ومشايخنا الأفاضل إلى العمل بالمجال الفني، ولكن ليتمكنوا من تفسير هذا الثلث وفق حقيقته الكاملة، وليملكوا لغة العصر في مخاطبة الناس.
إن هدفي من هذا الطرح ليس التقليل من جهد المفسرين العظام، فجزاهم الله عنا كل خير، بل هدفي هو لفت النظر إلى أن أدوات عصرنا قد تكشف لنا وجوها جديدة من الإعجاز كانت غائبة عن العصور السابقة، فكما استعنا بعلم اللغة والفلك والطب لفهم آيات أخرى، آن الأوان أن نستعين بعلوم التحليل السردي والتصوير القرآني لفهم “أحسن القصص”. وإذا كان الأزهر الشريف هو حارس الوسطية وحامل لواء التجديد، فمنه ننتظر أن يتبنى هذه الدعوة، ولو بالقدر الذي يكفي لتفسير القصص القرآني، ليخرج لنا جيل من العلماء يفسر القرآن بلسان عصره، فيخاطب به المثقف والشاب، ويقيم الحجة على العالم كله بأن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من صنع بشر.







