تحقيقات صحفية

شهر رمضان بين المساواة والطبقية ومحتوى إعلامي هابط

شهر رمضان بين المساواة والطبقية ومحتوى إعلامي هابط

بقلم: دكتور احمد همام المطعني

في السنوات الأخيرة، مع استتباب الأمن والشعور بالأمان واستقرار أركان الدولة، أصبح الحديث عن الفجوة الكبيرة بين الطبقات الاجتماعية في مصر أمرًا لا يتوقف، حيث يتم تقسيم المجتمع إلى فئتين، وذلك على أساس التفاوت الطبقي المتزايد في مجالات عدة مثل الاقتصاد، التعليم، الرعاية الصحية، والتركيبة العمرانية. ومع حلول شهر رمضان المبارك، تجسدت هذه المظاهر السلبية بشكل واضح، مما أثار استياء الكثيرين، خاصة بعد رصد شواهد حقيقية على تزايد الفجوة بين الثراء الفاحش والفقر المدقع.

الإعلام، الذي يعاني من وفرة في الإنتاج وأزمة في المحتوى، لعب دورًا كبيرًا في تعزيز هذه الفجوة، حيث ينطبق عليه قول الشاعر: “إني لأفتح عيني حين أفتحها.. على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدًا”. فبين هشاشة العدالة الاجتماعية، وتآكل الطبقة الوسطى، وازدياد أعداد المنتمين إلى الطبقة الدنيا من المطحونين والمظلومين والمهمشين، كان للمحتوى الإعلاني والبرامجي والدرامي في رمضان النصيب الأكبر في تكريس هذا الشعور لدى فئات عديدة من الشعب.

منذ الصغر، تعلمنا أن أسمى أهداف شهر الله تتجسد في قيم المساواة والتكافل والتراحم، من خلال بعض الفقرات التلفزيونية الرائعة وذات المغذى للكبير والصغير، لكنها الآن أصبحت مجرد شعارات جوفاء تتبخر في الهواء، أمام ما نراه على الشاشات من مسلسلات وبرامج وإعلانات تصيب الصائم بالصدمة. لقد كشف الشهر الفضيل عن مدى التفاوت بين الطبقات، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بشكل غير مسبوق، مما يجعل الكثيرين يشعرون بالاستفزاز من هذا التناقض العجيب.

رمضان، الذي يُفترض أن يكون فرصة استثنائية لإنقاذ الإنسان من انشغاله بتفاصيل الحياة اليومية، وتحقيق التقرب إلى الله وصلة الرحم، يتحول في الواقع إلى شهر من السلوكيات الخاطئة والعادات السيئة. فما نراه على الشاشات من إعلانات تبرع بالصدقات والزكوات للمستشفيات والجمعيات الخيرية، يعقبها إعلانات عن الفلل الفارهة والمصايف والشاليهات والعطور والمجوهرات، يصدم المتلقي ويكرس الطبقية بين الناس.

اللافت أن ما يُعرض على الفضائيات يعيد تكرار مشاهد لشريحة كبيرة من المجتمع، ما بين جوعى ومرضى ومحتاجين، وآخرين مصابون بالتخمة من الثراء الفاحش، في استفزاز واضح لمشاعر البسطاء الكادحين. ورغم الغلاء الفاحش والأسعار الفلكية، ومعاناة الفقراء الذين يمثلون الشريحة العظمى في المجتمع، نلاحظ أن رمضان أصبح عنوانًا للإسراف والتبذير الذي يصل إلى حد السفه.

قد لا نبالغ إذا قلنا إن شهر الصيام تعدى مرحلة الكسل والتراخي، ليصبح شهرًا من السلوكيات الخاطئة والعادات السيئة، حيث يتم إضاعة الوقت في مسلسلات مملة ذات محتوى هابط، وبرامج مسابقات تستغبي المشاهد، وإعلانات مليارية قد تُبطل الصيام. لذلك، ننصح الصائم في رمضان أن يلتزم بأقصى درجات ضبط النفس أمام هذه الشواهد المؤسفة، حتى لا يفسد صيامه بمرارة الحديث عن أهمية تحقيق أهداف شهر الله في تجسيد المساواة والتكافل.

أخيرًا، ربما يحين الوقت لأن نتساءل: إلى أي مدى يمكننا تحمل هذا المحتوى الصادم والمستفز لطبقات لا يُستهان بها من الشعب؟

ومن أجل ذلك كله، وفي ظل رواج واستعادة الدولة لقوتها السياسية، وقدراتها الأزلية، فإننا نناشد قيادتنا السياسية ممثلة في فخامة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي ، بفرض المزيد من القيود والضرائب علي المحتوى الإعلاني وتكثيف وتفعيل دور الرقابة، والنظر إلى محدودي الدخل، لتكتمل بذلك رؤيتنا لمصر القوية في كل المجالات، ولأبعد الحدود، وحفظ الله مصر وأهلها من كل سوء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock