أخبار الإسكندريةتحقيقات صحفيةمحافظات

بين التطوير ولقمة العيش… سحب التكاتك من شوارع الإسكندرية

تقرير مريم رفعت

في السنوات الأخيرة، أصبحت مركبات «التوك توك» جزءًا ثابتًا من المشهد اليومي في شوارع الإسكندرية، لا سيما في المناطق الشعبية والمزدحمة، حيث يعتمد عليها المواطنون كوسيلة انتقال سريعة، بينما تمثل لآلاف السائقين مصدر الدخل الرئيسي وربما الوحيد.ومع تصاعد الشكاوى المتعلقة بالحوادث المرورية، وتعطيل حركة السير، فضلًا عن غياب التراخيص، بدأت الدولة في اتخاذ إجراءات للحد من انتشار هذه المركبات، تمهيدًا لإحلال بدائل أكثر تنظيمًا وأمانًا، في إطار خطة تستهدف تطوير منظومة النقل وتحقيق الانضباط المروري.

مشهد من قلب الحدث في محيط محطة مصر بمحافظة الإسكندرية، شهدت المنطقة حملة ميدانية قادتها الأجهزة التنفيذية، مدعومة بقوات من الشرطة، حيث تم الدفع بونش تابع للحملة لرفع عدد من التكاتك المتواجدة بالمنطقة، مع إيقاف السائقين والتحفظ على المركبات.لم يكن المشهد مجرد تنفيذ لقرار إداري، بل لحظة فارقة في حياة عدد من السائقين، بدت على وجوههم ملامح الارتباك والقلق، واختلط الغضب بالحيرة، فيما وقف آخرون يراقبون في صمت، وكأنهم ينتظرون دورهم.

«ده مصدر رزقي الوحيد»

الحاج أحمد عبد الحميد، أحد السائقين الذين تم سحب التوك توك الخاص بهم، تحدث بصوت يكسوه القلق قائلًا:«عندي أربع بنات في مراحل تعليم مختلفة، والتوك توك ده مصدر رزقي الوحيد. محدش ضد التطوير، بالعكس، أكيد البديل هيكون أفضل وأأمن، لكن أنا معيش القدرة إني أشتريه.لو الحكومة هتسحب التوك توك وتوفر بديل، حتى لو بفارق سعر نسدده بالتقسيط، ماشي. إنما يتاخد ومناخدش حاجة؟ أجيب منين؟ وأنا لا عندي شغل تاني ولا معاش».حديث الحاج أحمد يعكس أزمة شريحة واسعة من السائقين الذين يرون في التوك توك طوق نجاة لأسرهم.

مصدر دخل بلا بديل

أما أحمد محمد، فعبّر عن الأزمة بشكل مباشر وبسيط:«دلوقتي التوك توك اتسحب، طيب يدونا بداله البديل. ده مصدر الدخل بتاعي، ومعيش قدرة أشتري الجديد. إحنا مش ضد القرار، بس نشتغل إزاي؟».سؤال يطرح فجوة واضحة بين القرار وآليات تنفيذه على أرض الواقع.

الغلطان يتحاسب… لكن الغلبان؟

محمود عبد الستار، أحد السائقين المتواجدين بالمكان، يرى أن الأزمة لا تكمن في القرار نفسه، بل في تعميمه دون تفرقة:«فيه ناس بتغلط وبتسوق بشكل خطر، وده لازم يتحاسب. إنما إحنا الغلابة اللي بنشتغل على لقمة عيشنا نعمل إيه؟لا معانا نشتري الجديد، ولا صحتنا تسمح نبدأ شغل أو صنعة تانية».كلمات تعكس شعورًا عامًا بأن العقاب طال الجميع دون تمييز بين الملتزم والمخالف.

الرؤية الأمنية: تنظيم وأمان من جانبه، أوضح أحد أمناء الشرطة المشاركين في الحملة أن الإجراءات تأتي ضمن خطة موسعة تهدف إلى تنظيم الشارع:«التكاتك بقت منتشرة بشكل مبالغ فيه وبتعطل حركة المرور، وكثير منها بيمشي عكس الاتجاه. البديل الجديد هيكون مرخص وأكثر أمانًا، وده هيقلل الحوادث ويحسن السيولة المرورية».

تصريحات تعكس وجهة النظر الرسمية التي ترى في القرار ضرورة لتحقيق الانضباط والسلامة على الطرق.بين التنظيم والبعد الاجتماعي ويرى المراقبون أن نجاح أي خطة تطوير لا يكتمل دون مراعاة البعد الاجتماعي، خاصة للفئات التي تعتمد كليًا على هذه المركبات كمصدر دخل. فغياب البدائل الميسرة، أو آليات التقسيط، أو برامج الإحلال، قد يفتح الباب أمام أزمات معيشية حقيقية، وربما يدفع البعض إلى العمل بشكل غير قانوني أو الخروج من سوق العمل تمامًا.

ويبقى التساؤل مطروحًا: كيف سيتم التعامل مع السائقين الذين لا يملكون مصدر دخل آخر؟فما بين قرار حكومي يستهدف التطوير وتحقيق السلامة المرورية، وواقع إنساني يفرض نفسه بقوة، تقف قضية سحب التكاتك عند مفترق طرق.فالتوك توك، بالنسبة للبعض، ليس مجرد وسيلة نقل عشوائية، بل وسيلة حياة، وأي تطوير حقيقي لا بد أن يوازن بين التنظيم وحق البسطاء في لقمة عيش كريمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock